في حلقة جديدة من بودكاست «كواليس وخفايا»، نقترب من الملفات والقضايا التي تقف خلف العناوين، ونبحث في جذور الأزمة السودانية وما وراء الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.
يستضيف البودكاست الخبير الأمني والعسكري الطيب المالكابي، الضابط السابق في المؤسسة العسكرية برتبة مقدم، للحديث عن جذور الحرب، والفرص التي كانت متاحة لتجنبها، إلى جانب أبرز التحديات التي واجهت القوات المسلحة خلال الحرب، وما كشفته المعارك من أزمات داخل المؤسسة العسكرية.
أستاذ الطيب، أهلًا بك في «كواليس وخفايا».
مرحبًا بك أخونا أحمد، ومرحبًا ببودكاست «كواليس وخفايا». نتمنى أن نقدم مادة مفيدة للناس، ومفيدة لنا نحن في المقام الأول من خلال هذا اللقاء.
هذه الحلقة كان من المفترض أن تُسجَّل في وقت سابق، لكن شاءت الظروف أن تكون الآن. وبحكم خبرتك العسكرية ووصولك إلى رتبة مقدم، كيف بدأت بوادر الأزمة التي قادت إلى الحرب الحالية؟
أرى أن اختزال حرب 2023 في كونها حربًا بدأت في 15 أبريل فقط يقلل من حجم الأزمة الحقيقية التي بدأت منذ عام 1989.
الأساس في هذه الأزمة، من وجهة نظري، هو توجه الحركة الإسلامية إلى إنشاء جيوش موازية، وهو ما شكل منذ وقت مبكر ناقوس خطر لاحتمال نشوب صراع بين هذه التشكيلات والمؤسسة العسكرية.
فمنذ عام 1989، ثم في السنوات التالية، بدأ إنشاء ما عُرف بالجيوش الموازية، وكان ذلك مرتبطًا، في تقديري، بمخاوف الحركة الإسلامية من المؤسسة العسكرية باعتبارها مؤسسة قائمة بذاتها.
أما إذا أردنا تحديد المسار الذي قاد بصورة مباشرة إلى حرب 15 أبريل 2023، فأرى أن انقلاب 25 أكتوبر كان من المحطات الأساسية التي انطلقت منها شرارة الصراع بين القوات المسلحة والدعم السريع.
المصالح التي جمعت الطرفين لم تكن استراتيجية بالقدر الذي يسمح بالحفاظ على تماسكهما ككتلة واحدة في إطار الانقلاب، ولذلك، عندما أصبحت هناك إرادة من داخل المؤسسة العسكرية لتقويض الحكم المدني الديمقراطي والانتقال السياسي في السودان، بدأت الشرارة التي قادت إلى الحرب.
هل كانت هناك فرصة حقيقية لتجنب الحرب؟
كانت هناك جهود ومحاولات عديدة لوقف مسار الحرب أو الحد من احتمالات اندلاعها.
لكن تصريحات عدد من أعضاء الحركة الإسلامية قبل الحرب، إلى جانب النشاط السياسي والاجتماعي الذي كان ظاهرًا في تلك الفترة، تشير، من وجهة نظري، إلى وجود إرادة حقيقية لإشعال الصراع بين الدعم السريع والقوات المسلحة.
كانت الحرب بالنسبة إلى بعض القوى تمثل البيئة التي يمكن من خلالها إعادة تشكيل المشهد السياسي في السودان والعودة إلى السلطة.
وفي المقابل، كانت هناك جهود كبيرة جدًا بذلتها القوى المدنية لمحاولة احتواء الأزمة ومنع انتقالها إلى الحرب. ومن تابع المشهد في تلك الفترة كان يسمع كثيرًا عن المبادرات والاتصالات والتحركات التي جرت بهدف إلغاء الأزمة أو تخفيف حدتها.
لكن المشكلة الأساسية، كما أراها، كانت وجود إرادة حقيقية لدى بعض الأطراف لنقل الحالة السياسية في السودان إلى وضع الحرب، ومن ثم إعادة تشكيل المشهد السياسي من جديد. وهذه نقطة ربما لم تكن واضحة بما يكفي للكثير من الناس.
بالانتقال إلى الجانب العسكري بصورة مباشرة، ومع بداية الحرب، رأينا تموضعات مختلفة للقوات المسلحة والدعم السريع.
ما أبرز التحديات التي واجهت الجيش خلال الحرب، والتي لم يتمكن من التغلب عليها حتى الآن؟
أرى أن أكبر تحدٍ واجه القوات المسلحة كان مشروعية الحرب نفسها.
عادةً ما تجد المؤسسة العسكرية، في الحروب التي تحظى بإجماع وطني، حالة من الالتفاف الشعبي حولها ودعمًا واضحًا لخطها في الحرب. لكن عندما يفقد المواطن القدرة على تحديد الموقف الصحيح والجهة التي ينبغي أن يقف إلى جانبها، تصبح المؤسسة أمام أزمة في مشروعية الحرب ذاتها.
وهذا، في تقديري، كان واحدًا من أكبر التحديات.
أما التحدي الثاني، فتمثل في قدرة المؤسسة العسكرية على إقناع المواطن بأنها الحامي له، وأنها المؤسسة الوطنية الأحق بتمثيل الدولة وحمايتها. وهذه كانت أيضًا من التحديات الكبيرة التي واجهتها القوات المسلحة.
وهناك تحدٍ داخلي يتعلق بالمؤسسة العسكرية نفسها، وقد كشفت الحرب عن حجم الفراغ الموجود في بعض مؤسسات العمل الداخلي للمؤسسة العسكرية، وأشير هنا بصورة خاصة إلى الأمن الوقائي.
كمواطن، من المفترض أن تكون المؤسسة العسكرية على علم مسبق بمصادر الخطر، وأن تستعد لها وتتعامل معها قبل وقوعها. لكن عندما تجد المؤسسة نفسها متفاجئة باندلاع الحرب، كما يتفاجأ المواطن، وتظهر حالات لأشخاص محاصرين أو محتجزين في أنفاق ومواقع مختلفة، فإن ذلك يكشف عن خلل كبير في منظومة الاستعداد والتقدير.
أصبحت المؤسسة العسكرية، في جانب من جوانبها، مكشوفة أمام المواطن وأمام الجميع، وهذه من أخطر الملفات التي ستواجهها المؤسسة في المستقبل، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة بناء المؤسسة العسكرية وتأسيسها على أسس جديدة.
وماذا عن التحديات الميدانية؟
ميدانيًا، أرى أن طريقة توزيع القوات والأدوار بين القوات المسلحة والتشكيلات الموازية كانت واحدة من القضايا المحورية.
فالجيش لم يعد وحده المدافع عن الأرض والسماء السودانية، وهذه، في تقديري، واحدة من موروثات المرحلة التي قادت إلى إضعاف الدور التقليدي للمؤسسة العسكرية.
أدى وجود تشكيلات وقوى عسكرية متعددة موزعة على خريطة السودان إلى اتساع نطاق الحرب وانتقالها إلى أكثر من منطقة، ووصولها إلى ولايات واسعة، وهو ما خلق خطرًا ميدانيًا كبيرًا.
كما أن الدعم السريع كان، في مراحل سابقة، إحدى المؤسسات التي اعتمدت عليها القوات المسلحة في العمل الميداني. ولذلك ظهرت خلال الحرب أوجه قصور كبيرة في هذا الجانب، وهو ما انعكس في حالات الاستنفار والاستعانة بالمستنفرين وغير ذلك من الترتيبات التي فرضتها ظروف الحرب.
وهذا كله يوضح طبيعة الوضع الميداني الذي وجدت القوات المسلحة نفسها أمامه.
أنت تشير هنا إلى أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بقدرة الجيش على خوض المعارك، وإنما أيضًا بطبيعة التشكيلات والقوى التي أُنشئت إلى جوار المؤسسة العسكرية. كيف تقرأ هذه المسألة؟
هذه نقطة أساسية. ففكرة إنشاء الميليشيات والتشكيلات الموازية لم تكن، في تقديري، مجرد ترتيبات مؤقتة للقتال، وإنما كانت جزءًا من تصور مؤسسي قائم على تعدد القوى المسلحة.
كانت هناك، على سبيل المثال، اعتبارات تتعلق بطبيعة المقاتلين ومناطقهم وانتماءاتهم، وبالمكونات التي يتم تشكيل القوة أو الميليشيا منها.
وهذه كلها، في تقديري، كانت جزءًا من الفكرة التي قامت عليها منظومة التشكيلات المسلحة الموازية، وهي إحدى القضايا التي ينبغي التوقف عندها عند البحث في جذور الأزمة العسكرية والسياسية في السودان.
