الكتابة
أحمد خليل
لماذا ترفض «صمود» دعوة البرهان للحوار؟ شرعنة الحكم أم وقف الحرب؟
تابعت ردود أفعال الكيزان، وأصدقاء الكيزان، والبلابسة، والمتردية، والانتهازيين، تجاه رفض «صمود» دعوة البرهان للحوار. وقد أثار هذا الرفض كثيرًا من التساؤلات: لماذا رفضت القوى المدنية الدعوة؟ ومن جانبنا نتساءل: لماذا القبول أصلًا؟
أليس البرهان ومستشاروه هم من فتحوا البلاغات ضد قيادات سياسية ومدنية، بل وصلت بهم الوقاحة إلى إقامة محاكمات ضد الدكتور حمدوك؟ ألم تكن كل هذه الإجراءات جزءًا من محاولات شرعنة حكم البرهان وفرض واقع سياسي جديد بالقوة؟
إن بيان «صمود» كان واضحًا، ووضع حدًا لكل من ظل يردد أن القوى المدنية تسعى إلى السلطة. فالوقت الآن ليس وقت البحث عن السلطة أو اقتسامها، وإنما وقت العمل الجاد من أجل إيقاف الحرب وإنقاذ السودان وشعبه. ومن يظن أن السلطة هي مبتغى القوى المدنية، فهو واهم.
ويتساءل البعض: لماذا الرفض؟ ونحن نسألهم: ما الذي تغير حتى يصبح الحوار مع البرهان هو الطريق إلى الخلاص؟ هل تغيرت مواقف السلطة؟ هل توقفت الحرب؟ هل عادت الخدمات؟ هل انتهى النزوح واللجوء والتشرد؟ أم أن المطلوب فقط منح نظام فاقد للشرعية غطاءً سياسيًا جديدًا؟
قرأنا أيضًا كتابات تتحدث عن صفات البرهان، وعن «الثبات الانفعالي» و«الذكاء». لكن ماذا يفيد الشعب السوداني ثبات قائد إذا كانت النتيجة مزيدًا من النزوح واللجوء والدمار؟ وماذا يفيد الذكاء السياسي إذا كان المواطن السوداني يدفع ثمن الحرب من دمه وبيته ومستقبله؟
القائد الحقيقي هو من يبحث عن رفاهية شعبه وأمنه واستقراره، لا من يصبح عهده مرتبطًا بتشريد الملايين وتدمير المدن وانهيار الدولة.
والأغرب أن الخطاب الإعلامي الذي ظل يصف قيادات القوى المدنية في «صمود» بالعملاء والخونة والجواسيس، انقلب اليوم عليهم فجأة، فأصبحوا «وطنيين» عندما أصبح المطلوب منهم الدخول في المسار الذي يخدم شرعنة حكم البرهان. هذه ليست وطنية، وإنما محاولة مكشوفة لإعادة تدوير الخطاب السياسي بما يخدم بقاء الحكم العسكري.
هناك من يعملون ليل نهار على الترويج لهذا الخط، وعلى إقناع القيادات السياسية بالسير خلف البرهان، وكأن الأزمة في السودان هي غياب القوى المدنية عن المشهد، وليست حربًا مدمرة وانهيارًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
ثم نعود إلى الواقع الذي يحاول البعض الهروب منه: اقتصاد منهار، خدمات غائبة أو عاجزة عن الوصول إلى المواطنين، ملايين النازحين واللاجئين، وبلد يدفع ثمن الحرب كل يوم.
ومع ذلك، يحدثوننا عن «معركة الكرامة».
أي كرامة هذه التي يتحدثون عنها بينما المواطن السوداني يفقد منزله، ويُجبر على النزوح، ويبحث عن الأمان والغذاء والدواء؟ الكرامة ليست شعارًا يُرفع في المنابر، وإنما أمن المواطن وحقه في الحياة ولقمة العيش والتعليم والصحة ومستقبل آمن لأبنائه.
واليوم، بعد كل ما حدث، عرفتم أهمية القوى المدنية، وبدأتم تتراكضون خلفها. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تريدونها من أجل وقف الحرب وإنقاذ السودان، أم تريدون استخدامها لمنح الشرعية السياسية لنظام عسكري فقد شرعيته؟
إذا كان الهدف هو وقف الحرب وإنقاذ السودان، فالقوى المدنية لن تكون عقبة أمام ذلك. أما إذا كان الهدف هو شرعنة حكم البرهان وإعادة إنتاج الأزمة تحت غطاء سياسي جديد، فإن رفض «صمود» يصبح موقفًا طبيعيًا ومتسقًا مع الهدف الحقيقي: وقف الحرب، واستعادة الدولة، وإنقاذ الشعب السوداني، لا تقاسم السلطة فوق أنقاض وطنٍ أنهكته الحرب.
