كواليس وخفايا
بقلم: أحمد خليل
عندما كنا نقول إن القوى المدنية وضعت نفسها في الطريق الصحيح، لم نكن نبالغ في الدفاع عن أحد. كنا نقول إن السودان لن يخرج من أزمته بالتخوين، وإن الحرب لن تنهي السياسة، وإن تحويل الخصوم إلى «خونة وعملاء» لن يصنع دولة.
ومنذ الطلقة الأولى للحرب، أُطلقت الاتهامات، ومع مرور الوقت فُتحت البلاغات والدعاوى ضد سياسيين ومدنيين رفضوا الحرب، وقالوا «لا للحرب»، وعملوا على إنشاء تحالف مدني يعبّر عن رؤيتهم لإنهاء الصراع، وكأن الخلاف السياسي أصبح جريمة.
واليوم، ها هو البرهان يبحث عن حوار، وعن معالجة البلاغات بحق من وصفهم بالأمس بالعمالة والخيانة، بل ظهر في عدد من المنابر والمنصات يكيل الاتهامات والإساءات بألفاظ نابية لعدد من السياسيين.
وها هو اليوم، دون تردد، يدعو إلى عودتهم.
يدعو إلى عودة قوى مدنية كانت حتى الأمس هدفاً لحملات التخوين.
فحمدوك، وخالد عمر، وطه عثمان، ووجدي صالح، ومحمد الفكي سليمان، وبقية الرفاق ممن جرى اتهامهم بالأمس، يمكن أن يصبحوا اليوم شركاء في الحوار إذا وافقوا على الجلوس إلى طاولة واحدة.
فماذا تغير؟
هل تغيرت مواقفهم، أم تغيرت حاجة السلطة إليهم؟
الحقيقة أن السلطة، في بحثها عن شرعية سياسية مفقودة، بدأت تدرك أن القوى المدنية التي جرى تخوينها لا يمكن تجاوزها.
لكن المشكلة ليست في الحوار.
المشكلة في وظيفة الحوار والغاية منه.
إذا كان الحوار هدفه وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، والوصول إلى انتقال سياسي متوافق عليه، فهو خطوة في الاتجاه الصحيح.
أما إذا استمر القتال، بينما يجري ترتيب مؤتمر سياسي تحت مظلة السلطة القائمة، فإن الحوار قد يتحول إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على سلطة البرهان، بدلاً من أن يكون طريقاً لإنهاء الحرب.
السودان لا يحتاج إلى مؤتمر لتوزيع الشرعية.
يحتاج إلى سلام يسبق السياسة، وسياسة تقود إلى انتقال مدني حقيقي.
وفي أي حوار يستهدف تأسيس مرحلة جديدة، يجب أن يكون الموقف واضحاً:
لا مكان للمؤتمر الوطني، ولا مكان كذلك لتقنين سلطة الأمر الواقع بواجهة مدنية.
القوى المدنية مطالبة بالمشاركة، لكن ليس بشيك على بياض. عليها أن تطالب بضمانات واضحة: وقف الحرب، حماية المدنيين، إطلاق مسار سياسي حقيقي، وعدم استخدام البلاغات والقضاء كأدوات لتصفية الخصوم السياسيين.
لقد أثبتت التطورات أن كثيراً ممن وُصفوا بالأمس بالخيانة والعمالة أصبحوا اليوم مطلوبين للحوار.
وهذا يؤكد أن المعركة لم تكن دائماً على «الوطنية»، وإنما كانت في كثير من الأحيان معركة على الشرعية والسلطة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يريد البرهان الحوار؟
السؤال هو:
هل يريد حواراً ينهي الحرب، أم حواراً يمنح سلطته شرعية جديدة؟
السودان لا يحتاج إلى شرعية جديدة للحرب.
السودان يحتاج إلى سلام، وانتقال مدني، ودولة لا يكون الوصول إلى السلطة فيها عبر البندقية.