قراءة في الموقف المشترك للقوى السودانية المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أطرافها
لواء شرطة (م)
د. عصام الدين عباس احمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات
من افرازات الازمة السودانية، وما صاحبها من تشوهات فكرية وتلوث مجتمعي، انها ساهمت في انتاج ما اسميه بسردية الثنائية المضللة “مع وضد”، دونما افساح المجال لخيارات أخرى اثبت الواقع انها هي الأكثر وجودا وتأثيرا من هذا النهج البولياني (Boolean) العقيم. صارت المواقف السياسية تختزل في ثنائيات على شاكلة مع الجيش او ضده، مع حكومة امل او تأسيس، مع السلام أو ضده، مع الحوار أو ضده. غير أن السياسة الجادة لا تُقاس بهذه الثنائيات المبسطة، وإنما بقدرتها على التمييز بين الغاية والوسيلة، وبين الاسم والمضمون.
من هذا المنظور اعجبني وأثلج صدري الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أطرافها، الصادر عن الاجتماع التشاوري الذي انعقد في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026. فقد جمع اللقاء قوى سياسية ومدنية وشخصيات عامة ومفكرين وأكاديميين وناشطين وشبابا ونساء، وتناول، إلى جانب الكارثة الإنسانية والتطورات الأمنية والسياسية، مبادرة الحوار التي أطلقها قائد الجيش.
والأهم أن الوثيقة لم تقع في الفخ الذي يريد البعض دفع القوى المدنية إليه وهو رفض الحوار من حيث المبدأ. بل ذهبت إلى ما هو أكثر عمقا، إذ ميزت بين الحوار المعطوب وبين الحوار الذي سيقود الى عملية السلام الحقيقية، ورأت أن ما يُطرح اليوم تحت مسمى “الحوار السوداني” لا يستوفي، من حيث الغايات والاجراءات، مقومات عملية السلام المعروفة لإنهاء الحروب.
وهنا تحديدا تكمن قوة هذا الموقف.
المشكلة ليست في الحوار، وإنما في أي حوار؟
ليس من المنطقي أن يرفض السودانيون الحوار بعد أن دفعت بلادهم ثمنا باهظا للحرب. فالجلوس إلى طاولة واحدة، والاستماع إلى الفرقاء، والتفاوض على مستقبل مشترك، ليست تنازلات عن المبادئ، وإنما هي في جوهرها أدوات السياسة التي لا غنى عنها لإنهاء النزاعات.
لكن الحوار لا يصبح عملية سلام لمجرد أن أطرافا سودانية قد اجتمعت حول طاولة واحدة.
عملية السلام لها هندسة مختلفة: مظلة مستقلة ومتفق عليها، وقف العدائيات، ترتيبات أمنية، وقف دائم ومستدام لإطلاق النار، ثم تفاوض سياسي يعالج جذور النزاع. وهذه هي النقطة التي شددت عليها الوثيقة بوضوح.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش ليس هل نتحاور؟ بل، أي حوار؟ ولأي غرض؟ وبأي ضمانات؟ ومن يشارك فيه؟ ومن يديره؟ وما الذي يسبقه وما الذي يترتب عليه؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية، وإنما هي شروط الحد الأدنى لحماية الحوار من أن يتحول إلى مجرد واجهة سياسية لواقع الحرب.
مكان الحوار وبناء الثقة
من أقوى الحجج التي قدمها البيان رفض عقد حوار داخل مناطق يسيطر عليها طرف من أطراف الحرب وتحت حمايته وإشراف أجهزته. فحين يجتمع سودانيون في منطقة تخضع لسيطرة أحد أطراف الحرب، فإن ميزان القوة يدخل قاعة الحوار قبل أن يدخل المتحاورون. وإذا كان أحد الأطراف هو الذي يحدد المكان ويحميه، وتراقبه أجهزته الأمنية والاستخباراتية، فإن الحديث عن عملية سياسية مستقلة يصبح موضع شك مشروع. السودان ليس مجموعة مناطق نفوذ عسكري، وليس ملكا لمن يسيطر على الأرض في لحظة معينة. وأي عملية سياسية تقبل بهذا المنطق، ولو بحسن نية، قد تجد نفسها بعد سنوات أمام دولة مجزأة سياسيا واجتماعيا كما تجزأت عسكريا.
حرمة الجمع بين الضدين: السلام والحرب
من غير المقبول، بل ومن غير الأخلاقي، ان تتم الدعوة لحوار لا يكون انهاء الحرب في مقدمة أولوياته وأسمى غاياته. لذلك، ربما يكون أكثر ما يميز الوثيقة وضوحها في الربط بين المسار السياسي والمسار الإنساني ووقف الحرب. ففي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات القتل والقصف والنزوح والجوع، يصبح من الصعب تصور عملية سياسية ذات مصداقية تتحدث عن المستقبل بينما يموت السودانيون في الحاضر.
الموقف لا يطلب المستحيل
قد يقول البعض إن هذه الشروط كثيرة، وإن السودان يحتاج إلى الحوار الآن. لكن هذا اعتراض يخلط بين الاستعجال والسرعة. الاستعجال مفهوم، لأن البلاد تنزف، أما السرعة غير المحسوبة فقد تكون كارثية، لأن أي عملية سياسية سيئة التصميم يمكن أن تؤدي إلى حرب أطول. لهذا كانت الوثيقة موفقة في اقتراحها عملية متكاملة تبدأ بهدنة إنسانية شاملة وفورية، ثم مسار لوقف إطلاق النار، ثم مسار سياسي سوداني شامل وشفاف، ضمن مظلة مستقلة ومتفق عليها.
من حوار الحلفاء إلى حوار الفرقاء
هنا تلتقي الوثيقة مباشرة مع الإشكالية التي ناقشتها في المقال السابق “حوار الحلفاء في غياب الفرقاء”. فأي حوار لا يجمع بصورة حقيقية القوى الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها ومختلف مكونات المجتمع السوداني لن يكون قادرا على إنتاج سلام مستدام.
وضعت الوثيقة تصورا أكثر دقة للمشاركة يقوم على ضرورة أن تعكس عملية السلام الواقع السوداني المعروف لا المصطنع، وأن توفر تمثيلا متوازنا ومنصفا للمجتمع والقوى السياسية والشباب والنساء والنازحين واللاجئين والمجتمع المدني. كما تربط مشاركة القوى المسلحة بمسار وقف إطلاق النار، بحيث لا تتحول الطاولة السياسية إلى امتداد للترتيبات العسكرية.
هذه نقطة جوهرية لأنه ليس المطلوب جمع أكبر عدد ممكن من الأشخاص في قاعة واحدة، وإنما أن نضمن أن كل صاحب مصلحة حقيقية في السلام يجد مكانا في العملية، وألا تتحول العملية إلى منصة لإعادة إنتاج تحالفات الحرب.
العدالة ليست عقبة أمام السلام
ومن أكثر ما يحسب للقوى المدنية المناهضة للحرب أنها استندت الى فرضية اثبتتها الدراسة الاستطلاعية المتكاملة المنفذة عبر نداء سلام السودان (SPC) والتي تقول ان السلام والعدالة لا يتعارضان، بل يمكن ان يسيرا جنبا الى جنب. لم تقع الوثيقة في الفكرة الساذجة التي ترى أن السلام يقتضي نسيان الماضي. فالسلام الذي لا يعالج العدالة يترك جذور الحرب في الأرض نفسها التي نريد أن نبني عليها المستقبل.
ولهذا خيرا فعلت الوثيقة وهي تضع ضمن القضايا الأساسية للعملية السياسية قضايا العدالة، وإنهاء الإفلات من العقاب، وحقوق النازحين واللاجئين، الي جانب قضايا العلاقة بين الدين والدولة، والمواطنة المتساوية، وإصلاح الدولة، وبناء جيش وطني موحد.
الإسلامويون: العقبة التي يجب تفكيكها
تناولت الوثيقة أيضا مسألة المؤتمر الوطني والحركة الإسلاموية وواجهاتهما، وتؤكد ضرورة ألا تتحول العملية السياسية إلى طريق لإعادة إنتاج النظام السابق أو مكافأة المسؤولية عن إشعال الحرب أو الاستفادة من استمرارها.
فالقضية ليست فقط في جلوس الإسلاميين من عدمه. القضية الأعمق هي كيف تُبنى دولة لا يستطيع أي تنظيم سياسي أن يختطف مؤسساتها أو يستخدم أجهزتها الأمنية والعسكرية لحماية مشروعه السياسي؟ ولهذا فإن معالجة النفوذ السياسي والمؤسسي وتفكيك تمكين الحركة الإسلاموية يجب أن ينص عليها صراحة وتدرج ضمن قواعد الدولة والقانون والعدالة وإصلاح المؤسسات، سدا للطريق امام الاعيب تغيير أسماء المشاركين حول طاولة الحوار.
لا زال الباب فاتحا، لكنه “موارب”
ربما تكون هذه هي الرسالة التي تستحق أن تصل بوضوح إلى الرأي العام السوداني. فالوثيقة لا تقول: لا للحوار، بل تقول، في جوهرها: نعم للسلام، نعم للتفاوض، نعم للحوار، ولكن لا لحوار يُدار بمعايير الحرب.
الموقف المشترك لا يرفض الحوار لأن القوى المدنية تسعى لتسوية سياسية هشة واقتسام للسلطة، بل يرفض أن يُختزل السلام في مؤتمر سياسي لا تسبقه إجراءات توقف الحرب وتحمي المدنيين وتبني الثقة وتضمن مشاركة حقيقية. ما يجعل هذا الموقف مهما ليس فقط أنه يعارض مبادرة سياسية بعينها، وإنما أنه يقدم تصورا مختلفا للخروج من الحرب.
تصورا لا يرى السلام صفقة بين النخب.
ولا يرى السودان غنيمة للمنتصر.
ولا يرى السلطة تعويضا لمن حمل السلاح.
ولا يرى الحوار غطاء سياسيا للوقائع التي صنعتها المدافع.
بل يرى السلام عملية وطنية تبدأ بحماية الإنسان، ووقف الحرب، وبناء الثقة، ثم الانتقال إلى تفاوض سياسي حقيقي يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة جديدة.
وهذا هو جوهر الرسالة التي ينبغي أن يسمعها السودانيون اليوم: لسنا أمام خيار بين الحرب والحوار، بل أمام خيار بين حوار يُنهي الحرب وحوار يُدار داخلها.
وليس المطلوب أن نغلق أبواب الحوار، وإنما أن نبقيها مشرعة على مصراعيها أمام السلام الحقيقي. ليس المطلوب رفض أي مبادرة لأنها جاءت من هذا الطرف أو ذاك، وإنما إخضاعها لمعيار واحد وهو “هل تقربنا من وقف الحرب وبناء الدولة، أم تمنح الحرب شكلا سياسيا جديدا؟”
فالسودان لا يحتاج إلى حوار آخر تتغير فيه أسماء المشاركين بينما تبقى قواعد اللعبة كما هي. إنه يحتاج إلى عملية سلام حقيقية، عملية تضع السلاح خارج معادلة تحديد مستقبل الدولة، وتعيد القرار إلى الشعب، وتفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي، وتضع حدا للإفلات من العقاب، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة المتساوية.
ولذلك فإن الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أطرافها ليس موقفا سلبيا من الحوار، كما قد يحاول البعض تصويره. إنه دعوة إلى إنقاذ الحوار نفسه من أن يتحول إلى حوار بلا سلام.
وهذه، في تقديري، ليست دعوة إلى تأجيل السلام، بل هي محاولة لوضعه على الطريق الصحيح.
