عبدالله محمد آدم
كمبالا
::::::::::::::::::::::::::::
لقد استمعت إلى اللقاء التلفزيوني الشيق مع الدكتور صديق أمبدة و هويعرض فيه كتابه “قلم التعليم وبلم المتعلمين”. كان اللقاء مثيراً بالنسبة لي، ربما لأن مقدمته عن نشأته في دارفور كانت تشبه تاريخ حياتنا في شمال غرب كردفان، و رغم ان الفارق أنه كان من الإبالة، رعاة الإبل، وهو أكبر منا بجيلين تقريبا،الا ان حياتنا أيضا كانت تدور حول رعاية الضأن والبقر و الماعز في تلك المساحات الشاسعة من السافانا، حيث تتنقل القبائل بحثاً عن الكلأ والماء،مرورا بمدينة ابوزبد المرين ( خريف بقارة و صيف أم سعين) وحيث كان يتعلم أطفال الرحل دروس الحياة قبل دروس المدرسة،
وكأن السنوات العشرون التي تفصلنا لا تعني شيئاً أمام تشابه الواقع، فالبعد عن المراكز الحضرية، شح المدارس، وصعوبة المواصلات التي تجعل التعليم حلماً بعيد المنال لأبناء الرحل هي نفسها. وتعليمنا كان أشبه بمعجزة، نلتقط فيها حروف الهجاء بين فترات الرعي ونحفظ قصائد المتنبي و شوقي والبارودي ونحن نحدو بالإبل أو نسوق الأغنام و كأننا نسرق من وقت الراحة ما يؤهلنا لدخول عالم غير عالمنا.
لقد كان الدكتور صديق أمبدة أول فرد من أسرته يستمر في التعليم ويصل إلى هذه الدرجة، عملاً بوصية شقيقه الأكبر: عليهم بإجادة عملهم في رعي الإبل، وعليه بإجادة عمله في المدرسة وقد فعل بامتياز، فهو اليوم بروفيسور يعرفه الجميع ويؤكد حكمته أن الصدف تلعب دورها في حياة الإنسان و كأنها هي التي منحتنا نحن أيضاً فرصة الخروج من مراعي كردفان إلى قاعات جامعة الخرطوم، قبل أن تلغي حكومة الإنقاذ مجانية التعليم، ليرجع وضع أقاليم السودان إلى أمية زادت نسبتها بعد الحرب عن أمية ما قبل ميلاد البروفيسور أمبدة.
فكيف لنا أن ننسى تلك الأيام التي كنا نجلس فيها تحت خيمة من الشعر أو كرنك في ( الاريد) في الخريف، نقرأ على ضوء مصباح (فانوس) الديزل، والمعلم يأتينا من بلدة بعيدة على ظهر حمار، ليعلمنا القراءة والكتابة، ثم يرحل تاركاً لنا واجبات نؤديها بين قطعان الماشية.ربما يعتقد البعض ان تعليما في هذه البيئة قد يكون هشاً كخيوط العنكبوت، لكنه كان كل ما نملك حتي وصلنا جامعة الخرطوم.
لقد تحدث الدكتور صديق أمبدة عن المقصد من إنشاء المستعمر لجامعة الخرطوم، وعن ملاحظات الخبراء البريطانيين الذين زاروا الجامعة في عهد الاستعمار. فقد عبروا عن عدم قناعتهم بنوعية طلاب وخريجي جامعة الخرطوم، و وصفوهم بأنهم: مهتمون بمستوى مرتباتهم لا بوطنهم، ضعاف الشخصية، عديمو الخيال، عديمو الملاحظة الذكية، يفتقرون إلى التفكير البناء، ينعدم لديهم المبادرة الشخصية وتغيب عنهم روح البحث والنقد.
والملاحظ أن جامعة الخرطوم قد فشل خريجوها في تقديم خدمة تخرج بهذا البلد إلى المستوى الذي يحلم به أي مواطن عادي لبلده، فمن كان يفترض أن يكونوا قادة النهضة أصبحوا رموزاً للاستعلاء، ينظرون من أبراجهم العاجية إلى أهلهم في القرى والبوادي نظرة شفقة أو ازدراء، متناسين أنهم خرجوا من تلك القرى ذاتها، وقد عزا الدكتور أمبدة ذلك إلى عدم تمكن عدد هائل من الخريجين من خلع جلباب القبلية، مصحوباً بأنانية واضحة حتى من الذين يُسمون بآباء الاستقلال و إجحافهم في توزيع الوظائف بعد سودنتها بعدل يعم جميع أبناء الوطن. وضرب مثلاً أن من بين 800 وظيفة كان نصيب أبناء الجنوب ما بين 4 إلى 6 وظائف فقط. وأشار إلى أن المتعلمين خصوا كل شيء لأنفسهم، ضارباً مثالاً بشهادة لندن والتعليم الأجنبي، حيث كان حملة هذه الشهادات لهم الأفضلية في دخول جامعة الخرطوم.
وفي لقاءه، ضحض بروف صديق أمبدة الفكرة الرائجة بأن مجانية التعليم كانت خيراً كلها، مشيراً إلى أن المستهدفين الحقيقيين لم يستفيدوا منها بالقدر المطلوب، بل انتهى الأمر بأن استفادت منها الطبقات غير المعنية بها، ويصف ما يسمى بـ”السلوك الريعي” الذي تدعي فيه النخبة استحقاقها دون غيرها للامتيازات المتوارثة بحجة أنها اجتهدت لتحصيلها، بينما كسل الآخرين هو ما منعهم من الحصول عليها.لقد كان الحديث في لقاء الدكتور أمبدة شيق ومثير، لكنني اقترح عليه تسمية كتابه ب” ( ال في ايدو قلم ما بكتب نفسه شقي) _من في يده القلم لن يكتب نفسه شقياً”. وهذا بالضبط ما فعله خريجو الجامعة وأبناء الحضر في السودان، حيث استحوذوا على امتيازات التعليم والوظائف، وأغلقوا الباب أمام أبناء الأقاليم، حتى تحول التعليم من وسيلة للنهوض إلى أداة للتمييز الطبقي والجهوي،حتى أتت الحرب التي تنبأ بها أستاذنا أمبدة إن لم يتم تصحيح الوضع فهل ستكتب البندقية حظاً لمن لم تمنحه الحكومة العادلة مدرسة وقلمًا؟ وهل سيكون السلاح هو البديل عن المنهج و الرصاص هو الحروف التي تكتب مستقبل من حرموا من حروف الأبجدية؟ونختم بسؤال إلى خريجي جامعة الخرطوم:
إن رسالة الدكتور صديق أمبدة في كتابه “قلم التعليم وبلم المتعلمين” تحذيرية بقدر ما هي تحليلية. فالكتاب يستعرض واقع التعليم في السودان الذي انتهى بنا إلى ما نحن فيه من سوء توزيع السلطة و الثروة، ومؤخراً سوء مخرجات التعليم نفسها. ويؤكد أن الحرمان هو ما يقود المثقف إلى السلوك الانتهازي و ما نشهده اليوم من حرب ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة حتمية لسياسة تعليمية وإقصائية جعلت من التعليم أداة للتمييز لا أداة للتنمية، ومن القلم سلاحاً للطبقة المسيطرة لا جسراً للجميع، فحين يُحرم إنسان من حقه في التعليم، وتُغلق في وجهه أبواب المستقبل، فإن البندقية قد تصبح هي الرد الوحيد المتبقي في يده.
وسؤالي الآن إلى كل خريج من جامعة الخرطوم، وإلى كل طالب يدرس في قاعاتها، وإلى كل أستاذ يدرّس في مدرجاتها، بعد عشرة عقود من تأسيسها: هل آن الأوان لتغيير هذه الصورة النمطية عن خريج الجامعة الذي ينظر إلى أهله من برج عاجي؟ أم أن الفرصة لا تزال قائمة لأن نقدم تعليماً يسلح أبناء وطننا بالعلم والمعرفة، ويكتب التاريخ أن نفس الجامعة التي زارها خبراء بريطانيون في الثلاثينيات من القرن الماضي وكان لهم انطباع سيء عن خريجيها وطلابها، هي اليوم تقدم خريجين وطلاباً يحملون المعاول لبناء المدارس والمشافي في كل قرى ومدن السودان، مجردين من الذات والأنانية، عائدين إلى جذورهم في مراعي كردفان ووديان دارفور وجبال النوبة و نهر النيل و الشرق و الشمال ، ليس ليرعوا الغنم والإبل، بل ليرعوا أحلام أبناء وطنهم بالتعليم والكرامة؟و هل يمكننا أن نجعل من قلم التعليم قلم حياة عادلة، بدلاً من أن يظل بلم المتعلمين يكتب لنا تاريخاً من الإقصاء والحرمان؟
الجواب، كما أرى، ليس في الكتب وحدها، بل في قلوبنا وعقولنا، وفي قرارنا الجماعي بأن نكون مختلفين عن الماضي السيئ . فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يكتبه أولئك الذين يقررون أن يكونوا أدوات تغيير، لا أدوات استمرار للظلم. وحينها فقط، سيكون القلم قد انتصر على البندقية، والعلم على الجهل، والعدل على الإقصاء.
والله المستعان
