في ظل تعدد الدعوات والمنابر الرامية إلى إطلاق حوار سياسي في السودان، يبرز جدل أساسي حول طبيعة هذا الحوار وأطرافه والهدف الذي يمكن أن يقود إليه. فهل نحن أمام حوار سوداني–سوداني شامل، أم حوار تقوده المؤسسة العسكرية مع قوى سياسية تتفق معها؟
يرى الصحفي قرشي عوض أن الحوار الذي يطرحه الجيش في الوقت الراهن لا يمكن أن يكون مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الأزمة السودانية، ما لم يسبق ذلك تغيير جوهري في نظرة المؤسسة العسكرية إلى دورها في الدولة، بحيث تنظر إلى نفسها باعتبارها قطاعًا مهنيًا، إلى جانب القطاعات المهنية الأخرى، لا باعتبارها صاحبة الوصاية على البلاد.
ويؤكد عوض أن الأولوية لأي حوار جاد يجب أن تكون وقف الحرب وإعادة الجيش إلى موقعه الطبيعي، بالتزامن مع خروج الدعم السريع من المدن التي يسيطر عليها وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية. كما يتحدث عن دور الحركة الإسلامية في المشهد، وعن الاعتقالات والملاحقات التي يتعرض لها الرافضون لاستمرار الحرب، وعن رؤيته للطريق الذي يمكن أن يقود إلى إنهاء النزاع.
ما اهمية الحوار السوداني السوداني الان ؟
الحوار المطروح الآن هو حوار الجيش ومن يتفقون معه. وأي حوار مع الجيش، في السابق أو الحاضر أو المستقبل، ليست لديه قيمة حقيقية ما لم يغيّر الجيش نظرته إلى نفسه وإلى الوطن.
المطلوب أن ينظر الجيش إلى نفسه باعتباره مجرد قطاع مهني، إلى جانب قطاعات مهنية أخرى، وأن يتخلى عن فكرة أنه يملك البلد. ليست المسألة أن هناك جيشًا لديه بلد، وإنما أن هناك بلدًا لديه جيش،في كل الحوارات التي تمت مع الجيش، كانت هناك أشياء لا يسمح بالنقاش حولها، باعتبار أنها من اختصاصه. والفترة الانتقالية خير شاهد على ذلك. فالجيش كان يمسك بالاختصاصات، ويمسك بالعلاقات الخارجية، ويمسك ببنك السودان، ويمسك بكل شيء تقريبًا، ثم يترك للمدنيين مهامًا تنفيذية محدودة، أشبه بمهام المحليات والبلديات.
لكن هناك قوى سياسية مستعدة للدخول في هذا النوع من الشراكة.
القوى السياسية المتحلقـة حول الجيش تضم في معظمها سياسيين من الصف الثاني والثالث، أو سياسيين لم يكن الناس قد سمعوا بهم من قبل، وحتى بعضهم لا يعرفه الناس داخل أحزابه.
وهذا ليس عيبًا بالنسبة إليهم، لأنهم قبلوا بأن تكون للجيش السطوة والكلمة الأولى والكلمة العليا. لكن هناك سياسيين آخرين لا يقبلون بذلك، ويريدون حوارًا حقيقيًا.
وما هو الحوار الحقيقي من وجهة نظرك؟
الحوار الحقيقي هو الذي يضع الجيش في مكانه الحقيقي، ويفتح النقاش حول القضايا الأساسية، وعلى رأسها وقف الحرب.
إذا كانت الحرب ستستمر، فما أهمية الحوار؟ وما أهمية العمل السياسي والعمل المدني عمومًا؟
العمل السياسي والمدني يبدأ عندما يتوقف العمل العسكري، والعكس صحيح: العمل العسكري يبدأ عندما يتوقف العمل المدني والسياسي. لذلك لا معنى لوجود عمل سياسي في ظل استمرار الحرب.
أي عمل سياسي أو مدني في ظل استمرار الحرب يعني، في نهاية الأمر، دعم الحرب.
إذن كيف تقرأ الحوار الذي يدعو إليه الجيش؟
الحوار الذي يفعله الجيش هو حوار لتوسيع غطاء الحرب، وتوسيع القوى المصطفة حولها، وإيجاد مزيد من التأييد للحرب.
الجيش حدد شروط وقف الحرب بانسحاب الدعم السريع من المدن التي يسيطر عليها، وهذا لن يحدث ما لم تحصل تبدلات في الميدان أو يحدث خلل في ميزان القوة العسكرية لصالح الجيش،إذا لم يحدث ذلك، فلن يقدم الدعم السريع على خطوة من هذا النوع. وهو، طالما أنه قادر على الاحتفاظ بهذه المدن بالقوة العسكرية، سيحتفظ بها بالقوة العسكرية، إلا إذا اضطر إلى غير ذلك،وبالتالي فإن استمرار هذا الوضع يعني استمرار الحرب وعدم وقفها.
هل ترى أن الدعوة إلى الحوار في هذا التوقيت يمكن أن تقود إلى حل للأزمة السودانية؟
لا،الدعوة إلى الحوار في هذا الوقت، في تقديري، ليست دعوة لإيجاد حل للمشكلة السودانية،هناك مشكلة أساسية هي الحرب، والمشكلات الأخرى كلها تتداخل معها. حتى القضايا الخدمية، مثل الكهرباء، لا يمكن الوصول إلى حلول مستقرة لها والحرب مستمرة؛ لأن موارد الدولة وإرادتها وطاقتها كلها تتجه نحو الحرب والمجهود الحربي.
هناك قضايا يقول الجيش إنها من اختصاصه ولا يقبل النقاش حولها. كيف يمكن إجراء حوار في ظل ذلك؟
الجيش لا يقبل النقاش حول الأشياء التي يعتبرها من اختصاصه،مثلًا، قال البرهان في خطاب رسمي ما معناه: لا أحد يقول لنا حلوا الجيش، أو أصلحوا الجيش، أو أجروا إصلاحًا للجيش. بمعنى أن هذا الأمر من اختصاصنا نحن،وقال أيضًا، في ما يتعلق بجهاز الأمن، إنه لا ينبغي لأحد أن يقول لنا حلوا جهاز الأمن.
طيب، إذا كنا لا نستطيع أن نناقش معك إصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية، أو إصلاح الجيش، أو مستقبل جهاز الأمن، فعن ماذا سنتفاوض؟
هل سنتفاوض معك حول إقرار سلطتك؟ هل سنتفاوض حول استمرار الأجهزة الأمنية في العمل بطريقة غير خاضعة للمساءلة؟ هل سنتفاوض حول إصلاحات لا تمس جوهر المشكلة؟في ظل غياب الإصلاح الأساسي للمؤسسة الأمنية والعسكرية، وغياب إصلاح الجيش، وغياب الحياة الدستورية، وغياب العدالة وأركانها في السودان، لا معنى لأن نقول إننا سنتفاهم حول الكهرباء والمياه وغيرها،هذه الأشياء تصبح، في هذه الحالة، وكأنها منح من السلطة وليست حقوقًا للمواطنين.
إذن كيف تصف الحوار الذي يدعو إليه الجيش؟
هذا حوار يريده الجيش، ولا أعتقد أن قوة سياسية تحترم نفسها يمكن أن تأتي إليه،لأنه حوار لا ينهي الأزمة السياسية في السودان، ولا ينهي الحرب، ولا ينهي النزاع،أنا سميتها دعوة «عزومة مراكبية». والمراكبية، عندما يكونون في البحر، يمكن أن يقولوا لك: «تفضل، نحن عازمينك»، لكنك لا تستطيع أن تصدق أن العزومة جادة، لأنهم في البحر أصلًا، ولا يملكون مكانًا لتجلس فيه، لا سريرًا ولا كرسيًا ولا غيره،لذلك فهي عزومة بلا مكان حقيقي للجلوس.
أين ترى دور الحركة الإسلامية في هذا المشهد؟
الحوار أصلًا لا يُطرح حول شرعنة البرهان، وإنما يتأسس عليها. وهذا لا يمنع أن تكون الحركة الإسلامية خلفه؛ لأنها لا تخشى القوى السياسية التي تشاركها القناعات نفسها،لكنها تخشى القوى السياسية المدنية الحقيقية، التي ترفض استمرار الجيش في السلطة وتنادي بوقف الحرب،لذلك أرى أن هذا الحوار ليس أكثر من إضافة نقوش إلى شكل قديم؛ نقوش غير مهمة ولا تؤثر في المشهد الأساسي.
هل تعتقد أن الحركة الإسلامية يمكن أن تعرقل الحوار؟
الحركة الإسلامية تمارس التهديد والوعيد حتى لا يفتح البرهان حوارًا مع القوى المدنية التي تدعو إلى تغيير حقيقي،وأول ما تطالب به هذه القوى هو إبعاد الحركة الإسلامية من المشهد،أما إذا اقتصر الأمر على شخصيات مثل الجاكومي وأردول، فلن أعتقد أن الحركة الإسلامية ستعرقل مسيرة الحوار.
ماذا عن الأصوات الرافضة لاستمرار الحرب ولسيطرة الجيش على مفاصل الدولة؟
الجيش يرى أن الأشياء المختلفة معه من اختصاصه، ولا يقبل النقاش حولها والأصوات التي تقول إن الجيش يجب أن يخرج من السلطة، وإن الحرب يجب أن تتوقف، ستظل محل استهداف وملاحقات واعتقالات، وبمواد قانونية مختلفة،وقد جرى اعتقالي أنا أيضًا، وتوجيه تهمة معلوماتية إليّ بسبب تحقيق صحفي كنت قد أجريته سابقًا حول «أرنيك 15» الإلكتروني بوزارة المالية وما صاحبه من فساد، وشركات متورط فيها ضباط في جهاز الأمن،وُجّه إليّ البلاغ تحت مواد في قانون المعلوماتية، وقيل إنني أسأت إلى جهاز الأمن، واتُهمت بأن لدي علاقة بمخابرات دولة أجنبية. ثم أُطلق سراحي بالضمان العادي.
وأنا مستغرب أصلًا: إذا كنت قد اتهمت جهاز الأمن بأن لديه علاقة بمخابرات دولة أجنبية، فلماذا يتم توجيه تهمة معلوماتية إليّ؟هذا، في تقديري، يعني أن التهمة ليست السبب الحقيقي للاعتقال،على كل حال، سُجل البلاغ بهذه الكيفية، ونحن نعتقد أن السبب الحقيقي هو الموقف السياسي والصحفي،وأتوقع أن تستمر هذه القصة، وأتوقع اعتقالات أخرى، وأتوقع اعتقال أشخاص آخرين أيضًا في الداخل.
هل تعتقد أن هذه الملاحقات يمكن أن تُسكت الأصوات المعارضة؟
أي شخص يرفض الحوار بالطريقة التي يدعو إليها الجيش، ويرفض استمرار الحرب، وبالتالي يرفض استمرار سيطرة الجيش على مفاصل الأمور في البلاد، سيكون محل استهداف وملاحقة.
لكن السؤال هو: هل سيسكت هذا الصوت؟
نحن قلنا إنه لن يسكت، وهم قالوا إنه سيسكت. وفي النهاية، سنرى ماذا سيقول التاريخ،في ظل تعدد المنابر والمبادرات التي تعمل على إيقاف الحرب، أي الطرق تراها أقرب إلى إنهاء النزاع؟أعتقد أن المطلوب مبادرة واحدة واضحة، تدعو إلى خروج الجيش من السلطة وتسليمها إلى حكومة مدنية، بالتزامن مع خروج الدعم السريع من المدن التي يسيطر عليها وتسليمها إلى السلطة المدنية نفسها.
