عبدالله محمد آدم
كمبالا
:::::::::::::::::::::::::::
في ندوة نظمتها لجنة مؤتمر خريجي جامعة الخرطوم،حول التعليم في السودان ما بعد حرب الخامس عشر من أبريل، وقفنا أمام أرقام ليست مجرد إحصاءات، بل صرخة مدوية في وجه الإنسانية. لم نأت مع المتحدثين لتقديم نظريات أكاديمية أو تبادل الخبرات؛ جئنا لنقول ما توثقه الأمم المتحدة في كل تقاريرها: بأن من بين كل مائة طفل في عمر المدرسة في كردفان الكبرى ودارفور والنيل الأزرق، هناك سبعة وتسعون طفلاً لم يروا المدرسة قط، ولم يحضروا درساً واحداً.
هذا الرقم، الذي قد يمر مرور الكرام على البعض، هو في الحقيقة وصف دقيق لكارثة تترتب عليها تداعيات وجودية، ليس فقط لهذه الأقاليم، بل للسودان ككل.
فما الذي يعنيه هذا الرقم تحديداً؟ إنه يعني أنه بحلول عام 2035، سيكون نحو 95% من القوة العاملة في هذه المناطق، بل جملة من تبقى من سكانها، أميين عملياً، دون أي درجة من درجات التعليم، في علوم الدين أو الدنيا. وهذه ليست مجرد مسألة نقص في الشهادات، بل هي حرمان من أدوات الحياة الأساسية، تترتب عليه سلسلة من الكوارث الاجتماعية و الاقتصادية التي رسمت ملامحها تقارير المنظمات الدولية
أولاً، يعني ذلك مجتمعاً بأكمله في هذه الأقاليم يفتقر إلى المهارات التي تمكنه من الحصول على فرص كسب عيش كريم في أي سوق عمل، فكيف لمن لم يتعلم القراءة والكتابة أن ينافس في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي؟ وكيف له أن ينتج أو يبتكر؟
ثانياً، يعني ذلك عدم وجود المعرفة أو القدرة لديهم على تطبيق أساليب الزراعة الحديثة التي تضمن إنتاج قوت يومهم وسيظلون أسرى وسائل الإنتاج البدائية، المتأثرة بتقلبات الطبيعة، عاجزين عن تحقيق اكتفاء ذاتي أو فائض إنتاجي، في وقت يعاني فيه أكثر من 45% من سكان السودان من نقص حاد في الغذاء، ويعاني ما يقرب من 18 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي.
ثالثاً، وهذا هو الأكثر خطورة، يعني أن السبيل الوحيد المتاح لهم لكسب لقمة العيش سيكون عبر تدمير بيئتهم بأنفسهم، بقطع الأشجار لصناعة الفحم حتى تصبح أراضيهم صحراء قاحلة. وعندها، لن يجدوا بداً من النزوح إلى أطراف المدن، ليكونوا سلعة رخيصة في أسواق العمل الهامشية. وهنا يكمن الخطر الأكبر: فبعد أن فقدوا أرضهم ومستقبلهم، سيصبح أبناؤهم، هذا الجيل الفاقد للتعليم، وقوداً سهلاً لعصابات النهب المسلح والجريمة و المخدرات أو سلعة جاهزة للتجنيد في النزاعات المسلحة والحركات المتمردة. وقد وثقت الأمم المتحدة بالفعل ارتفاعاً كبيراً في انتهاكات حقوق الأطفال، بما في ذلك تجنيدهم واستخدامهم في النزاع المسلح، في ظل هذه الأوضاع المأساوية
أما بالنسبة للفتيات، فالقصة أكثر مأساوية، فعدم حظوتهن بالتعليم يعني أن فرصتهن الوحيدة هي الزواج المبكر والإنجاب المتواصل في دائرة الفقر المدقع، مما يكرس دورة الفقر والجهل لأجيال قادمة، ويجعل المجتمع بأسره في حلقة مفرغة من التخلف والحرمان.
هذه الأرقام التي نادت بها الأمم المتحدة وكررتها في جلساتها ليست مجرد بيانات تُتلى ثم تُنسى؛ إنها وثيقة اتهام لكل ضمير حي، إنها تصور مستقبلاً قاتماً لمناطق بأكملها، و تحولها إلى بؤر للفقر وعدم الاستقرار، مما يهدد النسيج الاجتماعي للسودان بأسره. إن 19 مليون طفل خارج المدارس ليسوا مجرد إحصائية، بل هم جيل يخسر مستقبله بينما يشهد العالم صامتاً لكنه صادم، إنها أزمة تعليمية حذرت اليونيسيف من أنها ستحول إلى “كارثة جيلية” إن لم يتم التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن إنقاذ هؤلاء الأطفال يعني إنقاذ مستقبل السودان؛ وإهمالهم يعني زرع بذور حروب مستقبلية و مجتمعات هشة. القضية ليست قضية أرقام، بل هي قضية بقاء وطن يحتضر الآن .
