عبدالله محمد آدم
كمبالا
:::::::::::::::::::::::::::::::
ثمة سؤال يلحّ في ذهن كثير من السودانيين، هو: إذا كان الجميع – تحالف “تأسيس”، حركة عبدالواحد نور وقوى “إعلان المبادئ” – يجمعون على أن الحركة الإسلامية هي “الشر الأعظم” و”الخطر الوجودي” على مستقبل السودان، فلماذا لا يتجاوزون خلافاتهم العميقة ويتوحدون لهزيمتها قبل فوات الأوان؟ بدلا من اصدار بيانات إدانة لها تكاد تكون متطابقة؟
ربما تكون الإجابة ليست في اختلاف الرؤى فحسب، بل في أن الانقسام الحالي يخدم بالضبط من يتظاهر الجميع بمعاداتهم و هي الحركة الإسلامية و مليشياتها،فالمتفق عليه: عدو مشترك بلا جدال، فليس هناك خلاف حول هوية العدو، فقوى “إعلان المبادئ” وحركة عبدالواحد نور وقعتا على مذكرة تطالب بتصنيف حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية “منظومة إرهابية”، مؤكدتين أنها العائق الأساسي لأي انتقال ديمقراطي وهذا يتسق مع ما يراه تحالف “تأسيس” نفسه من أن الحركة الإسلامية ليست مجرد خصم سياسي، بل “تنظيم عقائدي مغلق” يسعى للسيطرة على الدولة بكل الوسائل، من التمكين السياسي إلى العنف المسلح، والجميع يقر بأن هذا المعسكر لا يمكن التفاوض معه، بل يجب هزيمته، وحتي المختلف عليه تعتبر مشاريع تتعارض، لكنها ليست مستحيلة التجاوز
نعم، قد تكون الخلافات جوهرية،لأن تحالف “تأسيس” يقدم نفسه كمشروع “تجاوز جدلي” لثورة ديسمبر، لا كاستكمال لها، ويرى أن قوى المدنيين فشلت في إدارة الدولة،اما حركة عبدالواحد وقوى “إعلان المبادئ” تتمسك بمرجعية ثورة 2019 وتدعو لدولة مدنية فيدرالية تستبعد الإسلاميين فقط و لا يمكن انكار التوتر الميداني القائم بين الدعم السريع و حركة عبدالواحد، التي اتهمته بـ”العنف المفرط” ضد المدنيين و ربما هناك غياب ثقة متبادل، إذ يرى تحالف “تأسيس” أن هذه القوى لم تقدم مواقف عملية تثبت جديتها في محاربة “الكيزان” ، لكن، وهنا تكمن الحجة القوية في ان كل هذه الخلافات، مهما كانت مشروعة، تصبح ثانوية أمام خطر وجودي يهدد الجميع بلا استثناء و لم يجهل به احد منهم.
أذن لماذا التوحد الآن ضرورة وليس خياراً؟
لأن العدو يستغل الانقسام، فالحركة الإسلامية لم تختف، بل أعادت ترتيب أوراقها داخل مؤسسات الدولة والجيش و تستغل الانشغال بالحرب الأهلية لإعادة التموضع و كل يوم يمضي و الخصوم متفرقون هو يوم إضافي يُمنح لهذا المعسكر لتعزيز نفوذه و التاريخ يعلمنا ان كل الثورات التي هزمت أنظمة شمولية كانت تنجح حين تضع الخلافات الجانبية جانباً مؤقتاً و السودان ليس بحاجة إلى مشروعين متعارضين يتنافسان على الشرعية، بل إلى مشروع واحد مرحلي، هدفه الإطاحة بالحركة الإسلامية، ثم يترك الباقي للعملية السياسية الديمقراطية بعد ذلك و هناك مساحة للتنازل، و التنازل الممكن يكمن في ان لا يطلب من تحالف “تأسيس” التخلي عن مشروعه، ولا من حركة عبدالواحد و لا القوي المدنية التخلي عن ثوابتها، لكن المطلوب هو تحالف تكتيكي واضح الأهداف، محدود المدة، يركز على تنسيق العمليات العسكرية ضد معاقل الحركة الإسلامية في الجيش و المؤسسات، و وضع ضوابط صارمة لحماية المدنيين، توقع عليها كل الأطراف وهي خطوة يمكن أن تقود لإعادة الثقة بين الدعم السريع و عبدالواحد للعمل عسكريا، مع تشكيل هيئة سياسية مشتركة لإدارة المرحلة الانتقالية الأولى، على أن تُترك التفاصيل الدستورية لاحقاً.
و الجميع يعلم أن بديل التوحد هو الهزيمة المشتركة و إذا استمر الانقسام، فسينتصر معسكر الحركة الإسلامية إما عسكرياً أو سياسياً بإعادة إنتاج نفسه في صيغة جديدة بدأت ملامحها بما تسمية (لجنة الحوار الوطني) وتبعها تأييد مفوضية الاتحاد الإفريقي، وفي كل الأحوال، ستخسر كل الأطراف المدنية و العسكرية المعارضة، فالعدو لا ينتظر أن تكتمل صفوفكم، بل يستغل شرخكم. ليست الوحدة حباً، بل ضرورة بقاء و
لا يُطلب من تحالف “تأسيس” وحركة عبدالواحد أو قوى “إعلان المبادئ” أن يصبحوا أصدقاء، ولا أن يذوبوا في مشروع واحد، المطلوب يا سادة هو تحالف مؤقت من أجل هدف واحد، هو الأكثر إلحاحاً: اجتثاث الحركة الإسلامية من مفاصل الدولة كما عبر عنها عبدالواحد في لقائه الاخير.
والسؤال ليس “هل يمكننا التوحد رغم اختلافاتنا؟” بل “هل يمكننا البقاء من دون التوحد؟” والتاريخ يجيب بوضوح: لن نبقى و لن يبقي السودان .
