قضية
في كل خطاب جديد للفريق أول عبد الفتاح البرهان، تحضر القوى المدنية باعتبارها خصماً رئيسياً. مرة يتهمها بشهوة السلطة، ومرة بالتعامل بوجهين، ومرة يصفها بأنها حاضنة سياسية للمليشيا.
لكن السؤال البسيط الذي لا يريد خطاب البرهان الإجابة عنه: إذا كانت هذه القوى ضعيفة، وخائنة، وعميلة، ولا وزن لها، فلماذا كل هذا الهجوم عليها؟
لو كانت بلا تأثير فعلاً، لكان الأجدى للبرهان أن يتركها لمصيرها، ويمضي في مشروعه. لكن العكس هو الذي يحدث. القوى المدنية تبدو حاضرة في خطاب السلطة بقدر يفوق حضورها في أي مشروع سياسي فعلي. وهذا يعني أن القضية ليست ضعفها كما يُقال، وإنما أن وجودها ما زال يمثل مشكلة في معركة الشرعية.
المفارقة أن البرهان نفسه لم يبدأ من هذه النقطة. في الفترة الانتقالية كان يخاطب القوى السياسية باعتبارها جزءاً من المشهد، وكان حديثه عن الشراكة والانتقال مختلفاً. وحتى بشأن الدعم السريع، لم يكن خطاب «المليشيا» هو الخطاب الذي يحكم كل المواقف.
ثم اندلعت الحرب، واحتاجت الحرب إلى سردية سياسية. فبدلاً من أن تكون مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، أصبح ضرورياً اختراع «جناح سياسي» لها، وتحميل القوى المدنية مسؤولية الحرب.
لكن الحقيقة التي لا تستطيع الشعارات إخفاءها هي أن الحرب كشفت فشل الجميع، وعلى رأسهم المؤسسة التي يفترض أنها مسؤولة عن حماية الدولة والمواطنين. ملايين السودانيين نزحوا ولجأوا، والمدن دُمرت، والاقتصاد ينهار، والجنيه يفقد قيمته، والمواطن يواجه أزمة معيشية خانقة.
وهنا يصبح سؤال «حرب الكرامة» أكثر إلحاحاً: ما معنى الانتصار إذا كان السودان نفسه ينهار؟
الحرب لا يمكن أن تكون مشروعاً سياسياً دائماً. والمعارك، مهما طال أمدها، لا تجيب عن سؤال اليوم التالي. والسوداني الذي يبحث عن قوته ودوائه وأمان أسرته لا تعنيه كثيراً انتصارات البيانات بقدر ما تعنيه نهاية الحرب وبداية الدولة.
أما الحوار السوداني–السوداني، فإن رفض صيغة معينة منه لا يعني رفض الحوار. المشكلة في حوار يجري تحت ظلال الحرب، وفي ظل اختلال موازين القوة، ثم يُراد له أن يمنح شرعية سياسية لطرف واحد.
والأغرب أن القوى المدنية التي يصفها البرهان بأنها بلا وزن تصبح، في الوقت نفسه، الطرف الذي يهاجمه باستمرار.
فإن كانوا فعلاً بلا تأثير، فلماذا يخشاهم خطاب السلطة؟
البرهان اليوم لا يحتاج إلى انتخابات كي يمارس السلطة؛ فهو يحكم بقوة الأمر الواقع وبالسلاح. لذلك فإن القضية ليست هل سيترشح أم لا. القضية: بأي شرعية يحكم؟ وكيف تتحول سلطة البندقية إلى دولة؟
السودان لا يحتاج إلى قائد يُصفق له الجميع، ولا إلى معارض يُخوَّن الجميع. يحتاج إلى دولة لا يكون فيها السلاح هو مصدر الشرعية الوحيد.
وفي النهاية، قد تستطيع البندقية أن تفرض حاكماً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وطناً
أحمد خليل
