أحمد خليل
حين يقول جبريل إبراهيم، وزير مالية حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، إن الوضع الاقتصادي صعب، وإن الشعب السوداني يعاني، لكنه «يتفهم الحقائق الماثلة أمامه وصابر»، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أي شعب يقصد الوزير؟ وأي صبر يتحدث عنه؟
الشعب السوداني لا يعيش حالة «تفهم» بقدر ما يعيش حالة اضطرار. فالإنسان الذي فقد منزله، أو مصدر دخله، أو نزح من منطقته، أو لجأ إلى دولة مجاورة، لا يملك ترف اختيار الصبر من عدمه. إنه يحاول فقط أن يبقى على قيد الحياة.
لقد قيل للسودانيين إن هذه «حرب كرامة». لكن الكرامة لا تُقاس بعدد الانتصارات العسكرية، وإنما بقدرة الإنسان على أن يأكل، ويتعلم، ويعمل، ويتلقى العلاج، وينام آمناً في بيته. أما أن يفقد الملايين بيوتهم ومصادر رزقهم، ويعيش آخرون في معسكرات النزوح واللجوء، ثم يُطلب منهم أن يعتبروا ذلك ثمناً للكرامة، فذلك يحتاج إلى مراجعة صادقة لمفهوم الكرامة نفسه.
ملايين السودانيين أصبحوا خارج مناطقهم، وملايين آخرون عبروا الحدود إلى دول الجوار. وفي معسكرات اللجوء، لا تبدو الحياة كما توحي بها بيانات السياسيين؛ إنها خيام، وشح في الموارد، وغلاء، وقلق دائم من المستقبل.
ومع ذلك، يُراد لهذا الشعب أن يظل صامتاً. وكل صوت يعترض على استمرار الحرب يمكن أن يجد نفسه في خانة الاتهام: عميل، خائن، أو غير وطني. وهكذا تتحول الحرب من قضية سياسية قابلة للنقاش إلى اختبار للولاء، بينما يتسع نطاق المعاناة كل يوم.
وفي الجانب الآخر، يبحث الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن تثبيت حكمه والحصول على شرعية سياسية من القوى المدنية. لكن اجتماع أديس أبابا وجّه رسالة واضحة من قوى مدنية لم تصطف مع أي طرف من طرفي الحرب: لا شرعية سياسية تُمنح للحرب، ولا يمكن اختزال مستقبل السودان في انتصار طرف عسكري على آخر.
المفارقة أن القوى المدنية التي جرى وصفها طوال الفترة الماضية بأسوأ الأوصاف، لمجرد رفضها الحرب، تبدو اليوم أكثر اتساقاً مع حقيقة أن استمرار القتال لا ينتج دولة، ولا يبني اقتصاداً، ولا يحفظ كرامة شعب.
أما الاقتصاد، فهو لا يجامل أحداً. الجنيه السوداني يواصل فقدان قيمته، والدولار يرتفع، والأسعار تتصاعد، والقدرة الشرائية للمواطن تتآكل. وتأثير ذلك لا يتوقف داخل السودان، بل يمتد إلى السودانيين في دول الجوار، حيث أصبحت التحويلات أقل قيمة، وأصبح البقاء خارج البلاد أكثر كلفة على كثير من الأسر.
والحديث عن الاقتصاد بمعزل عن الحرب محاولة لتشخيص العرض وترك المرض. فكيف يمكن أن يستقيم اقتصاد في بلد تستمر فيه الحرب؟ كيف ينمو الإنتاج بينما تتعطل الزراعة والصناعة والتجارة؟ وكيف تزيد الإيرادات بينما تتراجع قدرة الدولة على إدارة مواردها؟ وكيف تستقر العملة بينما ينكمش الإنتاج ويضعف تدفق النقد الأجنبي؟
الاقتصاد لا يعمل بالشعارات. يحتاج إلى إنتاج صادرات واستقرار وثقة ومؤسسات. وكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من التآكل في هذه العناصر.
لهذا فإن السؤال ليس ما إذا كان الشعب السوداني «متفهماً وصابراً». السؤال الأهم: إلى متى يمكن أن يُطلب من شعبٍ جائع ونازح وفقير أن يواصل الصبر؟
الجوع لا يتفهم الحقائق الماثلة أمامه. والطفل الجائع لا يستطيع أن يأكل شعاراً. والأسرة التي فقدت منزلها لا تستطيع أن تدفع إيجارها بالحديث عن الكرامة.
إذا كانت الحكومة تدرك فعلاً صعوبة الوضع الاقتصادي، فإن أول خطوة في مواجهته ليست مطالبة الناس بمزيد من الصبر، وإنما العمل على إيقاف الحرب، والذهاب إلى تفاوض جاد يضع حداً لهذا النزيف.
فكلما تأخر الوصول إلى طاولة المفاوضات، ارتفعت فاتورة الحرب. وفي النهاية، لن يدفعها السياسيون وحدهم، بل سيدفعها المواطن السوداني من قوته، ومدخراته، وتعليمه، وصحته، ومستقبل أبنائه.
