كاهنهم البرهان… ومهزلة البلاغات
احمد خليل
هل صحيح أن بعض أصحاب الأقلام طالبوا البرهان بوقف أي إجراء للعفو أو إسقاط البلاغات في مواجهة قادة القوى المدنية، وعلى رأسهم قيادات تحالف «صمود»؟
السؤال مشروع، خصوصاً أن البلاد تغرق في حرب أنهكت السودانيين، وشردت الملايين بين النزوح واللجوء، فيما لا يزال القتل والمعاناة مستمرين. وفي المقابل، هناك قوى مدنية تعلن ليل نهار أن هدفها الأساسي هو إيقاف الحرب وإعادة السودانيين إلى بيوتهم وفتح الطريق أمام الحل السياسي.
والأغرب أن الذين يرفعون أصواتهم ضد أي خطوة يمكن أن تهيئ المناخ للحوار والسلام، هم أنفسهم الذين يفترض أن يكونوا أكثر حرصاً على وقف نزيف الدم السوداني.
فمن الذي فتح هذه البلاغات أصلاً؟ ومن الذي مضى في الإجراءات القانونية والسياسية ضد القوى المدنية؟ ومن الذي كان يصف هذه القوى بالخيانة والعمالة؟
ثم ها هو الأمر يعود من جديد إلى البرهان نفسه، الذي تشير التقارير الأخيرة إلى أن مشاوراته تناولت إسقاط أو تجميد اتهامات جنائية بحق معارضين، معظمهم من تحالف «صمود»، تمهيداً لحوار سوداني شامل.
بل إن إفادات سياسية منشورة في الأيام الأخيرة تحدثت عن موافقة البرهان على شطب البلاغات في الحق العام ضد قيادات من «صمود»، مع بحث معالجة البلاغات في الحق الخاص أيضاً.
وهنا يبرز السؤال الأكبر:
إذا كان فتح البلاغات قد قُدِّم باعتباره دفاعاً عن الدولة، فلماذا أصبح إغلاقها اليوم مدخلاً ممكناً لتهيئة المناخ للحوار؟
وإذا كان هؤلاء القادة «خونة وعملاء» كما ظل يردد أنصار الحرب، فلماذا تجري الآن مشاورات حول إسقاط الاتهامات عن بعضهم وإشراك القوى السياسية في حوار سوداني؟
إنها، ببساطة، مهزلة سياسية وقانونية تكشف أن ما كان يُقدَّم بالأمس باعتباره قضية مبدئية قد يتحول اليوم إلى ورقة سياسية عندما تتغير الظروف.
والأخطر من ذلك أن البعض يريد أن يجعل من البلاغات الجنائية أدوات لتصفية الحسابات السياسية، ثم يطالب في الوقت نفسه باستمرار الحرب وكأن السلام جريمة، وكأن عودة النازحين واللاجئين إلى بيوتهم خطر على السودان!
نحن أمام لحظة تستوجب سؤالاً واضحاً:
من يريد إيقاف الحرب فعلاً، ومن يريد استمرارها؟
فالذين يدفعون باتجاه الحوار، وإيقاف القتال، وعودة المدنيين إلى منازلهم، يستحقون أن يُناقشوا سياسياً لا أن تُفتح ضدهم البلاغات لإسكاتهم.
أما تحويل القانون إلى سلاح في الصراع السياسي، ثم التراجع عنه عندما تقتضي الظروف، فهذه ليست دولة قانون، وإنما عبث سياسي يدفع ثمنه المواطن السوداني.
وفي النهاية، يبقى السؤال موجهاً إلى البرهان نفسه:
إذا كان الحوار هو الطريق، فلماذا بدأتُم بالبلاغات؟ وإذا كانت البلاغات هي الطريق، فلماذا تتجهون الآن إلى شطبها؟
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الانتقام السياسي.
السودان يحتاج إلى إيقاف الحرب، ووقف نزيف الدم، وعودة المهجرين، وحوار سياسي حقيقي لا يستثني إلا من يثبت تورطه في الجرائم، وبناء دولة يحكمها القانون لا الولاءات والأهواء.
