أحمد خليل
يبدو أن بعض المؤتمرات الصحفية في زماننا لم تعد تُعقد لكي يسمع المسؤول أسئلة الصحفيين، وإنما لكي يسمع الجمهور إجابات أُعدت سلفاً!
وهذا تحديداً ما بدا لي في المؤتمر الصحفي الذي ظهر فيه الأمين العام لمنظمة الدعوة الإسلامية في جنوب السودان، يحيى آدم الأمين، في وقت يخوض فيه معركة للعودة إلى موقعه بعد فصله، وسط اتهامات وقضايا تتعلق بإدارة المنظمة.
المؤتمر، الذي أداره الصحفي مجاهد عبدالله، بدا أقرب إلى منصة دفاع عن يحيى آدم منه إلى مؤتمر صحفي مفتوح.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان الرجل يملك كل هذه الإجابات، فلماذا الخوف من الأسئلة؟
الأكثر إثارة للانتباه كان محاولة تحميل لجنة إزالة التمكين مسؤولية ما وُصف بتراجع أداء المنظمة، ثم إطلاق حديث عن تحويل بعض العقارات إلى «مراقص».
حسناً… فلنضع العاطفة جانباً ونسأل سؤالاً بسيطاً:
أين هذه المراقص؟
ما العقارات؟ أين تقع؟ من الذي حوّلها؟ متى تم ذلك؟ وما المستند الذي يثبت هذه الواقعة؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية، وإنما أبسط قواعد العمل الصحفي.
فالقول إن عقارات تابعة لمؤسسة دعوية تحولت إلى مراقص اتهام خطير، ولا يمكن أن يصبح حقيقة لمجرد أنه قيل في مؤتمر صحفي. المسؤول الديني، قبل غيره، يفترض أن يكون أكثر حرصاً على الدقة، لأن الكلمة أمانة، والاتهام بلا دليل قد يتحول إلى ظلم.
والأكثر غرابة هو الاستشهاد بقصة عبدالله سليمان وما أُثير حول «الكوافير» في فترة سابقة، وكأن منشوراً متداولاً أو رواية غير موثقة يمكن أن تحل محل الوثائق.
يا سادة، نحن لا نبحث عن الحكايات… نحن نبحث عن الأدلة!
فإذا كانت هناك وقائع فساد، فلتخرج المستندات.
وإذا كانت هناك عقارات تحولت إلى مراقص، فلتُكشف بالأسماء والمواقع والتواريخ.
وإذا كانت لجنة إزالة التمكين قد ارتكبت مخالفات بحق المنظمة، فليُفتح الملف أمام الرأي العام، ولتُقدم الأدلة التي تثبت ذلك.
أما أن تُرمى الاتهامات في الهواء، ثم يُمنع الصحفي من السؤال، فهذه ليست شفافية.
ثم هناك قضية أكبر من كل ذلك: محاولة تقديم المنظمة وكأن فصلها عن السودان ومنحها استقلالية إدارية وسياسية أمر مفروغ منه.
وهنا أيضاً من حق السودانيين أن يسألوا: ما طبيعة هذا المشروع؟ ومن صاحب المصلحة فيه؟ ومن الذي يقرر مستقبل منظمة ارتبط اسمها وتاريخها بالسودان؟
الأمين العام المقال من حقه أن يدافع عن نفسه، ومن حقه أن يسعى إلى العودة إلى موقعه إذا كان يرى أن قرار إبعاده ظالم. لكن العودة لا تكون بإعادة إنتاج الخطاب نفسه، ولا بتحويل المنابر إلى ساحات دفاع، ولا بتوجيه الاتهامات إلى الآخرين.
العودة ـ إن كانت مستحقة ـ يجب أن تمر عبر الوثيقة والمحاسبة والحقائق.
أما أن يُغلق الميكروفون أمام السؤال، ثم يُفتح على مصراعيه أمام الاتهام، فهنا يصبح من حقنا أن نسأل:
