في حوار مع بودكاست «كواليس وخفايا»،استعرض الأستاذ شريف عثمان،الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف الصمود،خلفيات اندلاع الحرب في السودان، والتوترات التي سبقت المواجهة بين الجيش والدعم السريع، وما إذا كانت القوى السياسية والمدنية تمتلك مؤشرات على قرب اندلاع الصدام،وتناول عثمان خلال الحوار طبيعة الاستقطاب بين الجيش والدعم السريع في الأسابيع التي سبقت الحرب، والتحشيد العسكري في الخرطوم، والخلافات حول قضية إنهاء تعدد الجيوش وإعادة بناء جيش مهني وقومي. كما تحدث عن الاتفاق الإطاري، ومواقف الأطراف المختلفة منه، والدور الذي يرى أن الحركة الإسلامية لعبته في استثمار الخلافات داخل المؤسسة العسكرية وبين الجيش والدعم السريع.
وفي ما يلي نص الحوار ….
كواليس وخفايا: ما الذي كان يجري خلف الكواليس بين الجيش والدعم السريع في الأسابيع الأخيرة قبل اندلاع الحرب؟ وهل كانت المؤشرات تشير بوضوح إلى أن المواجهة أصبحت قريبة؟
شريف عثمان: كانت حالة الاستقطاب بين الطرفين قد وصلت إلى أقصى درجاتها، وكانت هناك استعدادات ودراسة لاحتمالات المواجهة العسكرية،وهناك شواهد عديدة على ذلك، أولها المناوشات المتكررة بين الجانبين، وثانيها التحشيد العسكري في ولاية الخرطوم، سواء على مستوى الآليات أو حشد الأفراد. وكل ذلك كان يعكس عمق الخلاف حول قضية أساسية، وهي إنهاء تعدد الجيوش وإعادة بناء جيش مهني وقومي،ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها قوى إعلان الحرية والتغيير والقوى الموقعة على الاتفاق الإطاري، كان واضحاً وجود عملية تعبئة داخل القوات المسلحة لمقاومة أي فرصة للوصول إلى تسوية سياسية.
كما كان هناك تباين واضح داخل قيادة الجيش نفسها، بين القائد العام وبين الفريق أول شمس الدين كباشي وآخرين، وظهرت مواقف علنية رافضة للاتفاق الإطاري،وأعتقد أن الحركة الإسلامية استثمرت بشكل كبير في حالة الانقسام داخل المؤسسة العسكرية. فالعملية السياسية كانت تتحرك في ثلاثة مسارات رئيسية: إنهاء تعدد الجيوش، واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، وتفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو.
الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني رأيا في هذه المسارات تهديداً مباشراً لنفوذهما ومشروعهما السياسي، ولذلك، من وجهة نظري، اختارا طريق الحرب،وهذه ليست المرة الأولى. ففي عام 1989، قطعوا الطريق أمام اتفاق الميرغني–قرنق، الذي كان يمكن أن يضع حداً للحرب الأهلية، واختاروا الانقلاب العسكري وتحويل الحرب إلى حرب ذات طابع جهادي،وأعتقد أن المشكلة الأساسية في تفكير الحركة الإسلامية هي أنها لا تقبل التعدد والتنوع السياسي، وتتعامل مع السلطة باعتبارها خياراً ثنائياً.. إما السيطرة عليها منفردة،أودفع البلاد كلها ثمناً باهظاً في حال فقدانها.
كواليس وخفايا: هل كانت لديكم في حزب المؤتمر السوداني معلومات مباشرة بأن صداماً بين الجيش والدعم السريع بات وشيكاً، أم أن الأمر كان مجرد تحليل سياسي ناتج عن المشاورات التي كنتم تجرونها؟
شريف عثمان: دعني أفرق بين المعلومة المباشرة وبين قراءة المشهد السياسي. لم تكن لدينا، بالمعنى الحرفي، معلومة تقول إن الحرب ستندلع في يوم محدد. لكن أي شخص كان موجوداً في المشهد منذ اليوم الأول لانقلاب 2021 كان يدرك أن وجود قوتين عسكريتين كبيرتين، لكل منهما أجندته وطموحاته المتعلقة بالسلطة والموارد، يجعل استمرار الوضع أمراً بالغ الخطورة
القوى المدنية كانت تسعى إلى منع الصدام، وكنا نتحدث باستمرار عن خطورة الدور الذي لعبته الحركة الإسلامية في دفع البرهان وحميدتي إلى انقلاب 2021، ثم استثمارها في الخلافات التي نشأت بينهما،كما كانت لديها، بحسب تقديرنا، أذرع ونفوذ داخل عدد من المؤسسات العسكرية والأمنية، بما في ذلك القوات المسلحة وجهاز الأمن والشرطة، إلى جانب نفوذ داخل الدعم السريع.
كواليس وخفايا: لماذا لم تنجح القوى السياسية والمدنية في إيصال هذه المخاوف إلى الرأي العام؟ وهل يمكن القول إنكم أخفقتم في ذلك؟
شريف عثمان: لا أعتقد أن القضية كانت فشلاً في إيصال المعلومات. الحديث عن دور الحركة الإسلامية وخطورة التوتر بين الجيش والدعم السريع كان موجوداً ومعروفاً لدى قطاعات واسعة من السودانيين.
لكن ما حدث بعد اندلاع الحرب غيّر طريقة تلقي الناس لهذه الرسائل. فالانتهاكات الواسعة التي ارتكبها الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة ودارفور جعلت قطاعات كبيرة من المواطنين تتعامل مع الحرب من خلال تجاربها ومخاوفها المباشرة،وفي بداية الحرب، قدمت الحركة الإسلامية سردية تقوم على أن الدعم السريع يمثل الخطر الأول، وأن التخلص منه يجب أن يكون الأولوية،لكن الحرب لم تعالج الأزمة، بل فاقمتها. والسودان يعاني منذ عام 1955 من مشكلة أعمق تتمثل في توجيه السودانيين بنادقهم إلى صدور بعضهم البعض.
المشكلة الحقيقية، في تقديري، تكمن في بنية الدولة المختلة. والحرب الحالية أنتجت عشرات المجموعات المسلحة، وانتشر السلاح بصورة تجعل من الصعب حصر هذه المجموعات أو جمع أسلحتها،إذا كنا في السابق نحتاج إلى مليارات الدولارات وسنوات طويلة لإصلاح القطاع الأمني والعسكري، فإن تكلفة معالجة الوضع اليوم أصبحت أكبر بكثير، وقد تمتد عملية جمع السلاح وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية لسنوات طويلة،وفي الوقت نفسه، فإن استمرار تسليح مجموعات في مناطق مختلفة، بدلاً من بناء مؤسسة عسكرية قومية واحدة، يزيد من تعقيد الأزمة وإطالة أمدها
كواليس وخفايا: لكن القوى السياسية والمدنية، وأنتم جزء منها، ألا تتحملون مسؤولية عن الأخطاء التي أوصلت البلاد إلى هذه النقطة؟
شريف عثمان: بالتأكيد، العمل السياسي ليس معصوماً من الخطأ، ونحن لا ندعي ذلك. تجربة القوى المدنية يجب أن تُقيّم بموضوعية، بإيجابياتها وسلبياتها،لكن هناك فرقاً بين الخطأ السياسي وبين الفساد والاستبداد والانتهاكات. نحن في حزب المؤتمر السوداني نتحمل مسؤولية قراراتنا السياسية، لكننا لم نقتل أو نعذب أو نحَمِ قاتلاً،والحرية والتغيير نفسها أجرت تقييماً لتجربتها ونشرت وثيقة تضمنت قراءة لنقاط القوة والضعف والأخطاء،أما بالنسبة إلى مستقبل السودان، فأعتقد أن البلاد لن تصل إلى الاستقرار طالما استمر أي تنظيم سياسي في استخدام العنف أو النفوذ العسكري كوسيلة للعودة إلى السلطة.
كواليس وخفايا: إلى أين يمكن أن تصل هذه الحرب؟ وهل هناك طريق واضح لإنهائها؟
شريف عثمان : الحرب في النهاية يوقفها من يحملون البنادق، لكن دورنا نحن، كمدنيين، هو نزع المشروعية السياسية والأخلاقية عن الحرب، والضغط من أجل العودة إلى المسار السياسي،نحن نعمل من أجل أن تتحدث القوى المدنية والمجتمعان الإقليمي والدولي بصوت أكثر تنسيقاً، وأن يكون الهدف هو دفع جميع الأطراف إلى طاولة التفاوض،قد لا يذهب المتحاربون إلى السلام برغبتهم في البداية، لكن في النهاية سيكتشفون أن لا خيار أمام السودان سوى التفاوض وإنهاء الحرب، وأنا أؤمن بأن السودان، رغم كل ما يواجهه اليوم من تحديات، يستطيع أن يتجاوز هذه المرحلة، وأن يبني دولة مدنية ديمقراطية، وأن يفتح صفحة جديدة يكون فيها السلاح خارج المعادلة السياسية.
