كواليس ميديا تعيد نشر حوار رشا عوض مع بودكاست «كواليس وخفايا»
تعيد «كواليس ميديا» نشر الحوار الذي بثه بودكاست «كواليس وخفايا» مع الكاتبة والناشطة السياسية رشا عوض، بمناسبة الذكرى الـ36 لانقلاب 30 يونيو 1989، الذي أطاح بالحكومة المنتخبة وأوصل عمر البشير والحركة الإسلامية إلى السلطة.
المشهد السوداني اليوم
كواليس وخفايا: أستاذة رشا، أهلاً بك في «كواليس وخفايا». كيف ترين المشهد العام في السودان اليوم؟
رشا عوض: المشهد اليوم قاتم ومأساوي، خصوصاً أننا نشهد الآن الحلقة الأخيرة في مسلسل تدمير الحركة الإسلامية للسودان، وهذه الحلقة تتمثل في هذه الحرب العبثية التي تنذر، إذا لم نتداركها بأقصى درجات العزيمة والإرادة، بتقسيم السودان.
مشروع الإسلام السياسي وتفكيك الدولة
كواليس وخفايا: عندما تتحدثين عن تدمير السودان، ما أبرز ملامح هذا الدمار؟ وما الذي تعتبرينه جوهر المشكلة في تجربة الإسلاميين؟
رشا عوض: أبدأ بالفكرة المؤسسة لجماعات الإسلام السياسي، وهي فكرة تتناقض في الأساس مع جوهر الدولة الوطنية الحديثة.
هذه الفكرة تخلط بين مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وبين مفهوم ما يسمى بالدولة الإسلامية في أدبيات الإسلام السياسي المختلفة، وتجعل الانتماء إلى التنظيم والانتماء إلى الفكرة مقدماً على الانتماء إلى الدولة الوطنية،ومن وجهة نظري، هي فكرة ظلامية لا تمتلك إجابات حقيقية وواقعية وعقلانية على مسائل العصر الحديث، ولا تمتلك برنامجاً عملياً لإدارة الدولة.
الإسلاميون ينظرون إلى الدولة الوطنية الحديثة باعتبارها من منتجات العلمانية والتغريب، وبالتالي لا يترددون في تدميرها إذا تعارضت مع مشروعهم،وبالفعل، فإن السياسات الممنهجة التي اتخذها نظام الإنقاذ كانت تصب في اتجاه واحد: تدمير الدولة السودانية.
بدأ هذا التدمير بصناعة دولة موازية. أُنشئت مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة الوطنية، حتى تكون هناك دولة للتنظيم تبتلع الدولة القائمة، فالأمثلة كثيرة. الجيش أُقيمت إلى جانبه ميليشيات موازية، مثل الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية وأبو طيرة، حتى وصلنا إلى محطة الدعم السريع. وحتى بعد أن دخل الإسلاميون في حرب مع الدعم السريع، استمروا في صناعة ميليشيات جديدة لمحاربته.
والأمر نفسه حدث في الشرطة، حيث أُنشئت الشرطة الشعبية، كما جرت عمليات تجريف وإحلال وإبدال واسعة في الخدمة المدنية،كل وزارة تقريباً أُقيمت إلى جانبها مؤسسات موازية تسحب صلاحياتها.
وبالتالي نحن أمام دولة سودانية كانت تعاني أصلاً من اختلالات كبيرة وتحتاج إلى إصلاح، لكن الإسلاميين لم يعملوا على إصلاحها، وإنما دمروا بنيتها وأقاموا بدلاً منها دولة التنظيم.
من الحرب الأهلية إلى الحرب الجهادية
كواليس وخفايا: السودان عرف الحروب الأهلية قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة. ما الذي تغير بعد انقلاب 1989؟ وكيف أثرت سياسات الإنقاذ على مسار تلك الحروب؟
رشا عوض: الحروب الأهلية ظلت ملازمة للدولة السودانية التي تعاني أساساً من اختلالات هيكلية.
لكن الحروب السابقة كانت تُطرح باعتبارها صراعات بين جماعات مسلحة لها مطالب سياسية، أو حركات متمردة لها مطالب محددة، وكان يتم التعامل معها في إطار منطق الدولة، عندما جاء النظام الإسلامي، وجد حرب الجنوب قائمة، وكانت في طريقها إلى الحل عبر ترتيبات دستورية ومؤتمر للسلام،لكن النظام حوّل هذه الحرب إلى حرب جهادية؛ أي أنه نقل الصراع بين جنوب السودان وشماله إلى صراع بين المسلمين في الشمال وغير المسلمين في الجنوب،وهذا أدخل تعقيدات كبيرة جداً إلى الحرب، حتى أصبح تقرير المصير لاحقاً قاسماً مشتركاً بين كل الحركات في جنوب السودان، بما في ذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي كان زعيمها الراحل الدكتور جون قرنق معروفاً بتوجهاته الوحدوية.
وبدلاً من تقوية التوجه الوحدوي الذي مثله جون قرنق، قوّى نظام الإنقاذ الحركات الانفصالية في جنوب السودان، كما شهدنا للمرة الأولى في تاريخ السودان صناعة تنظيمات انفصالية في الشمال،وكلنا نذكر منبر السلام العادل وصحيفة «الانتباهة»، وما رافقهما من خطاب كراهية وعنصرية مهّد لتقسيم البلاد.
لماذا وصل السودان إلى الانفصال؟
كواليس وخفايا: ما الذي دفع الإسلاميين إلى هذا الخيار؟ وكيف تفسرين المفارقة بين نظام يرفع شعار الوحدة وبين سياسات انتهت إلى انفصال جنوب السودان؟
رشا عوض: الإسلامويون السودانيون كانوا ينظرون إلى الجنوب باعتباره عبئاً يعيق برنامجهم الأيديولوجي.
كانوا يعتقدون أن انفصال الجنوب سيجعل الشمال أكثر ملاءمة لبسط سلطتهم عليه، وهذه هي المفارقة: النظم السياسية الوطنية تعمل عادة على توحيد البلاد، ولا تدخر جهداً للحفاظ على الوطن موحداً،لكن النظام الإسلاموي لم يدخر جهداً في تقسيم الوطن إلى أوطان، لأن الوطن بالنسبة إلى «الكوز» أو الأخ المسلم هو المكان الذي يستطيع فيه تطبيق برنامجه الأيديولوجي بالقوة، ويبسط عليه سلطة التنظيم. وليس مهماً بالنسبة إليه أن تكون الدولة وطنية متعددة الأعراق والثقافات والآراء السياسية والأديان،هذه الأحادية هي التي قادت، في تقديري، إلى انفصال جنوب السودان.
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ هل منع الانفصال أهل الشمال والوسط من الثورة على النظام؟ بالطبع لم يمنعهم،وما أكثر العبر، وما أقل الاعتبار،من ثورة ديسمبر إلى الحرب
كواليس وخفايا: كيف أثّر هذا الإرث على الأزمة الحالية؟ وهل يمكن قراءة الحرب باعتبارها امتداداً لهذا المسار؟
رشا عوض: الأزمة الحالية تدل على أن الكيزان لم يتعلموا شيئاً من التجربة المريرة التي امتدت أكثر من ثلاثين عاماً، عندما اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة ونجحت في الإطاحة برأس النظام، كان المفترض أن يلتقط الإسلاميون إشارة التاريخ: النظام سقط، وملايين السودانيين خرجوا إلى الشوارع ليقولوا إن هذا النظام لم يعد بالإمكان أن يستمر، لكنهم تعاملوا مع الثورة باعتبارها استراحة محارب، واعتبروا أنها حدث عابر يمكن التراجع عنه،كانوا يريدون أن تنتهي ثورة ديسمبر بالإطاحة بعمر البشير، الذي كان يمثل عقبة كبيرة حتى أمام الإسلاميين، ثم يستعيدوا السيطرة على النظام نفسه، ولكن من دون عمر البشير،لذلك عملوا على تخريب الفترة الانتقالية وصناعة الأزمات، ودفع الشعب إلى المطالبة بإسقاط الحكومة الانتقالية.
لكن الشعب السوداني كان يقول شيئاً مختلفاً: كان يريد إصلاح الحكومة الانتقالية واستكمال الانتقال المدني الديمقراطي، وعندما فشلت هذه المحاولات، لجأوا إلى الخطة الثانية: الانقلابات العسكرية،حدثت محاولات انقلابية عدة خلال الفترة الانتقالية، إلى أن جاء انقلاب 25 أكتوبر ونجح في الاستيلاء على السلطة،اعتقدوا أن هذا الانقلاب سيدق المسمار الأخير في نعش الثورة، وأنه سيعيد الإسلاميين إلى مفاصل الدولة ويعيد التمكين ويلغي قرارات لجنة إزالة التمكين.
لكن الانقسام الذي حدث داخل معسكر الانقلاب، وخروج الدعم السريع من مركبه، إضافة إلى عدم حصول الانقلاب على دعم المجتمع الدولي، حال دون تشكيل حكومة مستقرة.
ثم جاء الاتفاق الإطاري. وقد اختلفنا معه واتفقنا حوله، لكنه كان فرصة لاستئناف المسار الانتقالي الديمقراطي، كان خطوة إلى الأمام، بينما كان الإسلاميون يريدون العودة إلى الخلف،ولم يتبق لهم، في تقديري، سوى الطلقة الأخيرة في صندوق ذخيرة الثورة المضادة: هذه الحرب اللعينة.
الحرب والحسابات الخاطئة
كواليس وخفايا: هل كانت الحرب، من وجهة نظرك، الخيار الأخير بعد فشل محاولات إعادة إنتاج النظام السابق؟
رشا عوض: دخلوا الحرب بحسابات خاطئة تماماً. كانت التقديرات تتحدث عن ساعات أو أسبوع أو أسبوعين، لكننا دخلنا في حرب ممتدة ولم يحدث الانتصار السريع الذي راهنوا عليه،وبدأ الرهان يتحول إلى تقسيم جديد للسودان،تصاعد خطاب الكراهية ضد المكونات السودانية في غرب السودان، وتصاعد خطاب التقسيم إلى أعلى وتيرة،وكأن انفصال الجنوب سابقاً مكّنهم من حكم السودان بسهولة، وكأن الحل هو فصل الغرب أيضاً حتى يستطيعوا إقامة «الفردوس المفقود» للإسلام السياسي،لكن هذه كلها توجهات عكس تيار التاريخ، وتدل على أنهم لا يتعلمون شيئاً من التاريخ.
لماذا فشل الانتقال الديمقراطي؟
كواليس وخفايا: بعد ثورة ديسمبر، كانت هناك آمال كبيرة في بناء دولة مدنية ديمقراطية. لماذا فشل الانتقال في تصفية بنية النظام السابق بصورة كاملة؟ وهل تتحمل القوى المدنية جزءاً من المسؤولية؟
رشا عوض: ثورة ديسمبر كانت فرصة لوضع السودان في مسار جديد نحو الدولة المدنية الديمقراطية، لكن العقبات كانت كبيرة جداً،الثورة كانت سلمية ولم يكن لديها ذراع مسلح لفرض التغيير بالقوة، في مقابل تنظيم إسلاموي مسلح يمتلك كتائب ظل، وتمكن من مفاصل الجيش والشرطة والدولة والخدمة المدنية.
لذلك فإن التخلص من نظام ذي طبيعة فاشية، خصوصاً عندما تتزاوج الفاشية الدينية مع الفاشية العسكرية، ليس مهمة سهلة،أحياناً يقول الناس: «أنتم يا الثورة، لماذا عندما جاءتكم السلطة لم تغيروا كل شيء؟» وكأن الموضوع مجرد قميص نلبسه في التاريخ. المسألة أكثر تعقيداً بكثير.
كانت هناك دولة عميقة ومخطط تخريبي للنظام، وهو نظام لم يكن يعمل وفق اعتبارات وطنية أو أخلاقية، ولذلك وظف كل قدراته لتعطيل الانتقال،ومن أكبر العقبات أن المكون العسكري كان يتحكم في نسبة كبيرة من الموارد الاقتصادية للدولة.
هل أخطأت القوى المدنية؟
كواليس وخفايا: بعيداً عن مسؤولية الثورة المضادة، هل أخطأت القوى المدنية نفسها؟ وهل كان بإمكانها أن تفعل أكثر؟
رشا عوض: القوى المدنية التي أدارت الفترة الانتقالية ليست مبرأة من الأخطاء،لكن عندما ندافع عن القوى المدنية، فإننا ندافع عن التوجه المدني الديمقراطي من حيث المبدأ، وليس عن كل القوى والأحزاب أو كل القرارات التي اتخذتها،في الإطار الديمقراطي توجد آليات للتصحيح الذاتي.
القوى المدنية لا تمتلك بيوت أشباح أو كتائب ظل أو رصاصاً لقمع المحتجين. في ظل الحكم المدني تستطيع أن تتظاهر وتنظم جهودك وتسعى إلى تغيير السياسات،أما عندما تحدث عسكرة للدولة وانقلاب عسكري، فإن خروجك إلى الشارع للاحتجاج قد يعني أن تُواجه بالعنف والقوة،وهذا هو الفرق بين طريق السلمية والسلام وطريق العسكر والقهر والاستبداد.
هل كان حل الدعم السريع مسؤولية القوى المدنية؟
كواليس وخفايا: هناك سؤال متكرر منذ اندلاع الحرب: لماذا لم تحل القوى المدنية الدعم السريع وتسرّحه خلال الفترة الانتقالية؟
رشا عوض: المساومة التي قامت عليها الفترة الانتقالية، وفق الوثيقة الدستورية، جعلت الشؤون العسكرية من اختصاص المكون العسكري، بينما كانت الشؤون الأخرى من اختصاص المكون المدني،لذلك، إذا كان السؤال هو لماذا لم تحل القوى المدنية الدعم السريع، فيجب أن يُطرح أيضاً على المؤسسة العسكرية،والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: بعد أكثر من عامين من الحرب، لماذا لم ينجح الجيش في حل الدعم السريع وتسريحه؟
إذا كانت المسألة بهذه البساطة، فلماذا لم تحدث؟
أنا أعتقد أننا يجب أن نؤمن بمنطق التغيير السلمي والتدرج،القوى المدنية والثورية اختارت هذا النهج لأنها كانت تريد تجنيب الشعب السوداني المواجهات المسلحة والاستئصالية التي نراها اليوم،الدرس الأكبر: لا مكان للحكم العسكري
كواليس وخفايا: بعد كل هذه التجربة، ما الدرس الأهم الذي يجب أن يستوعبه الشعب السوداني والقوى السياسية؟
رشا عوض: الدرس الأهم من تجربتنا القاسية، وعلى رأسها تجربة الحرب، هو أنه لا مكان للحكم العسكري في السودان، الحكم العسكري أخذ فرصة كافية جداً في السودان. ومنذ الاستقلال، قضت المؤسسة العسكرية الجزء الأكبر من عمر الدولة وهي صاحبة السلطة العليا،وكانت هناك دائماً أسطورة تقول إن الحكم العسكري يستطيع تحقيق التنمية والتطور على حساب الحريات المدنية.
لكن السؤال: إذا كان ذلك صحيحاً، فلماذا لم يحدث خلال كل هذه العقود؟
هذه شهادة فشل للحكم العسكري،ثم إن المشكلة اليوم ليست فقط في الموقف الفكري أو الأخلاقي من الحكم العسكري، وإنما في الواقع نفسه،لدينا تعدد في الجيوش والميليشيات وكتائب الظل والحركات المسلحة،ولا توجد اليوم مؤسسة عسكرية قومية مهنية واحدة تحتكر العنف ولديها القدرة العملية على فرض حكم عسكري مستقر،وعندما اتخذت المؤسسة العسكرية قرار الانقلاب في 25 أكتوبر، كانت النتيجة أن الجيش والدعم السريع، وهما طرفان عسكريان، دخلا لاحقاً في حرب استخدمت فيها الدانات والمدافع والطيران الثقيل وسط الأحياء المدنية، والنتيجة كانت أكبر مأساة إنسانية،هذا هو نتاج الرهان على البندقية في السلطة.
الحكم المدني الديمقراطي، المتوافق عليه بين مكونات الشعب السوداني، هو صمام الأمان للدولة السودانية،أما الإصرار على العسكرة، فيعني أن كل الميليشيات والكتائب والحركات المسلحة ستسعى إلى فرض سلطتها وفق قوة السلاح الذي تمتلكه، وعندها يمكن أن يتحول السودان إلى كانتونات مرتبطة بمناطق الحرب.
هل الجيش السوداني مؤسسة وطنية؟
كواليس وخفايا: رغم كل ما حدث، لا يزال هناك سودانيون يقولون: «نراهن على الجيش لأنه مؤسسة وطنية». كيف تنظرين إلى هذا الموقف؟
رشا عوض: نتمنى أن يكون لدينا جيش يستحق فعلاً، وليس قولاً فقط، وصف المؤسسة الوطنية.
لكن هذا الوصف لا ينطبق، في تقديري، على واقع الجيش السوداني الحالي.
الجيش تعرض لاختراقات سياسية، وكان الاختراق الإسلاموي هو الاختراق الأكبر والأكثر تأثيراً، إلى درجة أنه حوّل الجيش إلى فاعل سياسي،لكن المشكلة أقدم من الإسلاميين أيضاً.
الجيش السوداني كان يعاني من اختلالات بنيوية منذ ما قبل الإنقاذ، وكان يحتاج إلى إصلاح وإعادة بناء.
الجيش الذي ورثناه من الدولة الاستعمارية كان مصمماً تاريخياً لحماية السلطة القائمة، وهذه الفكرة ظلت متوارثة،ولذلك نحن أمام حاجة حقيقية إلى إعادة التفكير في بنية المؤسسة العسكرية وعلاقتها بالدولة والمجتمع.
إعادة بناء المؤسسة العسكرية
كواليس وخفايا: عندما تتحدثين عن إعادة بناء الجيش، كيف يمكن أن تتم هذه العملية من دون أن يُفهم الأمر باعتباره استهدافاً للمؤسسة العسكرية أو إضعافاً لها؟
رشا عوض: المطلوب ليس إضعاف الجيش، وإنما إعادة بنائه على أسس وطنية ومهنية.
ونحن بحاجة إلى مراجعات واسعة تشمل الأحزاب السياسية والمجتمع المدني وكل مؤسسات الدولة، لكن المؤسسة العسكرية يجب أن تكون في مقدمة هذه المراجعة.
لا يمكن أن نقول إن لدينا جيشاً وطنياً بينما ينقسم السودانيون حوله، وتظهر تعبيرات مثل «حواضن الجيش» و«حواضن الدعم السريع».
الجيش الوطني لا ينبغي أن تكون له حاضنة اجتماعية محددة، حاضنته يجب أن تكون السودان كله، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب،أي سوداني يجب أن يرى أن هذا الجيش جيشه.
أما أن تكون هناك حواضن اجتماعية للجيش وحواضن اجتماعية للدعم السريع، فهذا دليل على وجود مشكلة عميقة في مفهوم الجيش الوطني،نحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي ينهي فكرة «حواضن فلان وحواضن علان»، ويؤسس لجيش واحد تكون حاضنته السودان كله.
الطريق إلى المستقبل:
كواليس وخفايا: في ختام هذا الحوار، هل ما زالت هناك فرصة أمام السودان للخروج من هذا النفق وبناء دولة موحدة ومستقرة؟
رشا عوض: نعم، لكن الطريق يتطلب العودة إلى المسار المدني الديمقراطي بإرادة حقيقية، وقبول فكرة الإصلاح الأمني والعسكري التي تقود إلى إعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية،هذا هو الطريق الذي يمكن أن يفتح أمامنا مستقبلاً لسودان موحد ومستقر،أما إذا استمررنا في الرهان على العسكر والبندقية، فإن كل الميليشيات والكتائب والحركات المسلحة ستسعى إلى فرض سلطتها، وعندها يصبح خطر تحول السودان إلى كانتونات أمراً حقيقياً.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم من هذه الكارثة، وأن نعيد التفكير في كل مفردات تكوين حياتنا السياسية والعسكرية والمدنية،المطلوب مراجعات من العيار الثقيل، ليس فقط للمؤسسة العسكرية، وإنما لكل القوى السياسية والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة.
لكن البداية يجب أن تكون من بناء دولة مدنية ديمقراطية، وجيش مهني وطني واحد، يخضع للسلطة المدنية ويكون ولاؤه للسودان كله
