عبدالله محمد آدم
كمبالا
::::::::::::::::::::::::::::
لم يكن كولن باول مجرد وزير دفاع أو جنرال أمريكي ؛ كان صوت العقل النافذ في البيت الأبيض، الرجل الذي يجرؤ على سؤال الرؤساء السؤال الأكثر إزعاجاً قبل اندلاع أي حرب، ففي حرب الخليج عام 1990، حين كان مستشارو جورج بوش الأب يخططون لطرد صدام حسين من الكويت، وقف باول –وقتها رئيس هيئة الأركان المشتركة – وسأل الرئيس بوضوح لم يُعهد مثله في غرف الحرب: “ثم ماذا؟”. لقد أجبر الإدارة الأميركية على تعريف النصر بدقة، فكان الهدف واضحاً: تحرير الكويت، وليس الانزلاق إلى مستنقع تغيير النظام ،وبعد عقدٍ من الزمان و تحديداً في صيف 2002، وبصفته وزيراً للخارجية في عهد جورج بوش الابن، كرّر باول تحذيراته في عشاء خاص بالبيت الأبيض، حين نظر إلى الرئيس الشاب ونصحه بعبارته الشهيرة التي صارت ميثاقاً للتبصر: “أنت على وشك أن تملك 25 مليون عراقي، ستملك كل آمالهم وتطلعاتهم و مشاكلهم، إذا كسرتها، فأنت تملكها”. كان يحاول جاهداً أن يدفع بوش الابن للإجابة عن سؤاله القديم: كيف يبدو النصر حقاً؟ وما هو الثمن الذي سندفعه بعد سقوط النظام؟
وقبل عامين، وفي خضم اشتعال الحرب السودانية، اقتبستُ روح هذا السؤال الموجع، ووجّهته إلى عبد الفتاح البرهان، قلتُ له ما قاله باول للأب والابن: “يا برهان، ما هي الكرامة التي تقاتل من أجلها؟ وأين يقع النصر الذي تراه في أفق هذا الدمار؟”. تركت السؤال معلقاً، وانتظرتُ أن تأتي الأيام بالإجابة
فجاءت الإجابة هذا الأسبوع ، وقد تجاوزت كل توقعاتي السوداوية لم تأتِ على لسان مستشاريه، ولا في بيانات قواته، بل في تقارير الصحف الأميركية التي فضحت الجريمة النكراء، باستعمال الجيش السوداني للأسلحة الكيماوية بأمر منه شخصياً، مع أوامر صريحة بإخفاء الأدلة وتضليل العالم.
هنا، وبين سطور هذه الجريمة وجدتُ ضالتي من الجواب، وأدركتُ الفارق الجوهري بين سؤال باول وإجابة البرهان،
فكولن باول كان يسأل الرؤساء الأميركيين عن “مسؤولية النصر”، وعن كيفية إدارة حياة 25 مليون إنسان بعد الحرب، أما البرهان، فلم تكن نظرته تتعدى حدود كرسيه، وهو لم يسأل نفسه يوماً “ثم ماذا؟” عن حال السودانيين بعد حربه، لأنه أصلاً لم يكن يبني نصراً لشعب، بل كان يبحث عن نصرٍ لذاته فقط، البرهان أراد نصراً يُبقي قبضته على الحكم، ولو أدى ذلك إلى إبادة الشعب الذي يفترض أنه يحميه
والنصر في قاموسه ليس تحريراً، ولا بناءً ولا وحدةً وطنيةً، بل هو أن يخلو المشهد من كل من يعترضه، حتى لو أصبحت الخرطوم مدينة أشباح، وغابت أصوات الأطفال تحت وابل الغازات والسقوف المنهارة.
وأما الكرامة التي يتشدق بها البرهان، فهي ليست شرف القائد، بل هي هوسه المريض بتجنب نهاية مجرمي الحروب، كالصرب الذين شهدهم التاريخ، أولئك القادة الذين قادوا حروب الإبادة في البوسنة و كوسوفو، وانتهى بهم المطاف يذوقون ذلّ القيود في زنازين المحكمة الجنائية الدولية، يموتون موتاً بطيئاً بعيداً عن كراسيهم، محاصرين بين جدران الاتهام، ذلك المصير هو كابوس البرهان الأوحد، فهو يرى النصر في أن يفلت من هذا القفص، ويرى الكرامة في أن ينتهي به المطاف رئيساً متقاعداً، لا مجرماً مقبوضاً عليه لكن جرائمه التي ارتكبها لن تمنحه هذه الكرامة المزعومة، بل ستقوده حتماً إلى ذات الزنزانة التي يخشاها، لكنه هذه المرة سيدخلها وقد أثقلت يديه دماء شعبه، وجوع أطفاله، وغازاته السامة التي فضحته أمام العالم.
لكن يا برهان، لو كنتَ استمعتَ لروح سؤال كولن باول، لعرفت أن النصر الحقيقي هو أن تخرج من الحرب وقد حملتَ شعبك على كتفيك، لا أن تخرج منه وقد ألقيتَ به في المقابر الجماعية، أما أنا اليوم، فقد وجدتُ إجابة لسؤالي : أنت تبحث عن نصرٍ وهمي لا يسعك إلا أنت، وكرامةٍ زائفة لن تدركها، لأن التاريخ والمحاكم الدولية يتربصان بك، وكل جثةٍ ستشهد عليك، وكل قنينة غازٍ ستكون دليلاً يقطع الطريق أمام هروبك، لأن نصرك الذي تريده هو جثة شعب، وكرامتك التي ستلقاها هي خزي السجون، وبين هذا وذاك، سيظل السودان واقفاً، ينتظر أن يولد من جديد، بعد أن يرحل آخر طاغية لم يفهم أن الوطن ليس كرسياً يُحتمى به، بل أمانةٌ تُحمى و لحسن حظنا ستكون انت اخر الطغاة في صفحة تاريخ السودان .
