عبدالله محمد آدم
كمبالا
::::::::::::::::::::::::::::::
في مشهد سياسي سوداني يزداد تعقيداً، خطر علي بالي سؤال ثقيل، مستوحى من روح الشاعر محمود درويش وأسئلته الوجودية: هل خطاب الفريق البرهان بإعلان لجنة الحوار الوطني هو مجرد خطاب ديكتاتوري آخر، أم يمكن أن يكون واحداً من “خطب الديكتاتور الأخيرة” التي تنبأ بها درويش؟
لطالما كان محمود درويش، الذي عانى مرارة المنفى و الاستبداد، مرآةً صادقة لنفسية الحاكم المستبد في قصيدته الشهيرة “خطب الديكتاتور الموزونة”. في هذه القصيدة، صوّر درويش الديكتاتور العربي وهو يخاطب شعبه، مختاراً إياهم واحداً واحداً، و مانحاً إياهم “الحق” في خدمته، ومعلناً أن السياسة هي سجنه هو لا سجنهم.
إن قراءة خطاب البرهان في ضوء رؤية درويش تثير تساؤلات عميقة، ليس فقط حول فشل المبادرة، بل حول ما إذا كنا نشهد فصلاً أخيراً من فصول هذا النمط من حكم
الديكتاتور الذي يختار شعبه؟
في قصيدته، يصور درويش ديكتاتوراً يقول: “سأختار شعبي، سأختار أفراد شعبي، سأختاركم واحداً واحداً من سلالة أمي ومن مذهبي”. أليس هذا هو بالضبط ما يفعله البرهان حين يعلن عن لجنة حوار يختار أعضائها من المؤيدين و المنتفعين، متجاهلاً الغالبية العظمى من القوى السياسية و الحركات المسلحة التي تمثل طرفاً أساسياً في النزاع؟ إن البرهان يختار “شعباً” للحوار، لا يحاور كل الشعب، و ذلك حوار مع النفس لن يجلب سلام..لانه لا سلام بلا وسيط.
يقول درويش على لسان ديكتاتوره: “لا تدخلوا السياسة إلا إذا صدر الأمر عني، لأن السياسة سجني” و هنا يكمن جوهر المشكلة في خطاب البرهان، فالحوار الوطني الذي يعلنه لا يستوفي أي شرط من شروط نجاح الحوار، فالخصم الحقيقي غائب، و الوسيط المحايد مفقود، والحوار يُعقد تحت إشراف حكومة يرأسها هو نفسه. إنه حوار يجريه الديكتاتور مع نفسه، كما صوره درويش بدقة في قصيدته التي جعلت من خطابات الديكتاتور “موزونة” ومضحكة في تناقضاتها، لكنها في الحقيقة ستكون مأساوية في نتائجها، فهل هي الخطبة الأخيرة؟
وهنا يأتي السؤال المستوحى من درويش: هل يمكن أن يكون هذا الخطاب هو واحد من “خطب الديكتاتور الأخيرة”؟ فقد أشار درويش في قصيدته إلى أن الديكتاتور قد يصل إلى لحظة يدرك فيها أن بقاءه بات مهدداً، فيعلن استعداده للتفاوض، لكنه في الحقيقة يحاول كسب الوقت و يبدو لي أن البرهان يسير على نفس النهج الذي سبقه إليه البشير وغيره من الديكتاتوريين الذين استخدموا “لجان الحوار” كغطاء لاستبقاء السلطة و إضفاء شرعية على انقلابات هم بلا جدوي.
لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه درويش في شعره عن الديكتاتورية والإنسانية هو : هل آن الأوان لأن تنتصر إنسانية الشعب على خطاب المستبد؟ إن المتابع لرفض القوى السياسية لمبادرة البرهان يؤكد أن الشعب السوداني قد وعى هذه الحيلة، وأصبح يبحث عن حوار حقيقي بين الخصوم بحضور وسيط محايد و ليس عن لجان هلامية تهدف إلى شرعنة الحرب لا صنع السلام.
وخلاصة القول، إن خطاب البرهان بإعلان لجنة الحوار الوطني هو تكرار مبتذل لخطابات الديكتاتوريين الذين سبقوه، وهو يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا النمط من الحكم قد وصل إلى نهايته في السودان، لكن الإجابة على هذا السؤال تبقى مرهونة بقوة إرادة الشعب السوداني وقواه السياسية في رفض هذه المناورات والسعي نحو سلام حقيقي يقوم على العدالة والمساواة، لا على خطابات موزونة تهدف إلى إطالة أمد الأزمة عبر التلاعب بالاسماء والمصطلحات و ما زلنا نراهن علي تماسك و وحدة الشعب المحب للحرية لوءد أحلام الدكتاتور .
