دكتور / عبدالله محمد آدم
كمبالا
“الأرقام لا تكذب” ... بهذه العبارة نبدأ رحلتنا في قراءة واقع مؤلم، رسمته تقارير الأمم المتحدة ذات المصداقية، فاليوم، وبعد أكثر من 1200 يوم من الحرب، أصبح أكثر من 8 ملايين طفل في سن المدرسة خارج الفصول الدراسية وفي إقليم دارفور و كردفان وحدهما، أصبح 5 من كل 6 أطفال لا يتعلمون، بعد أن دُمر أو أُغلق ما يقرب من ثلاثة أرباع المدارس .
لكن يا سادة،يجب أن نقر بأن هذا الدمار لم يبدأ في أبريل 2023، هذا الكلام ليس دفاعاً عن طرف أو تبرئة لآخر، بل هو قراءة في تاريخ أطول من جذور شجرة “الطابور” في قريتنا الوديعة ابوقلب . إنه نتاج سنوات من الإهمال المقصود والتدمير الممنهج الذي سبق حتى قيام دولة “56” كما يسميها البعض، بل ويمتد جذوره إلى ما قبل الثورة المهدية، عندما انتصر أجدادنا الأنصار في تلك الثورة، وحلّت لحظة التأسيس، لم يجدوا من قادتهم سوى تشجيع على التخلف، ونشر لمنشورات تستهزئ بالعلم والعلماء، وتمجد فقط “راتب الإمام”. في تلك اللحظة التي كان فيها أبناء المهدي وأحفاده يتعلمون في بريطانيا ويتدربون في كليات الأردن العسكرية، كان يختبئ الفقراء تحت راية الدين، يحرمون من نور المعرفة ويشترون امتارا في الجنة مقابل العمل الشاق في دائرة المهدي و جناين طيبة و أرض الشفاء في الجزيرة ابا .
إذن، إلقاء اللوم على دولة “56” وحدها ربما يكون فيه اجحاف أو إشارة خجولة لسبب شقاءنا . لقد كانت هذه المناطق المهمشة وقوداً للحروب، لكنها ظلت حبيسة الجهل، تُستنزف كوقود بشري دون أن تُبنى. صحيح أن الحرب الحالية دمرت ما تبقى، لكن الإهمال المزمن هو الذي جعل هذه الأرقام الكارثية (97%) حقيقة واقعة .
أمام هذه الكارثة، لا يمكننا الجلوس مكتوفي الأيدي، فنحن في عصر التفوق الرقمي، ولا يمكن تسمية أي نضال “ثورة” ما لم يصحب معه الوعي بأن السلاح الحقيقي هو العلم. لقد سبقتنا إلى هذه الحقيقة ثورات في العالم كله؛ فعندما كانت جيوش التحرير في فيتنام والصين تكافح، لم تكتفِ بالسلاح، بل كانت تعلّم جنودها الفلاحين القراءة و الكتابة في الغابات والكهوف، حتى خرجوا إلى النصر بجيوش متعلمة واعية، وفي كوبا، كان محو الأمية مشروعاً وطنياً قبل أن يكون سياسياً، و أثبتوا للعالم أن الجاهل لا يمكن أن يكون حراً.
لذلك، فإن وصفتنا للخلاص لا تحتاج إلى انتظار وقف إطلاق النار وحده. وهذه دعوة لإعلان “حالة طوارئ تعليمية” فورية، نقترح عبرها تخصيص ثلاث ساعات يومياً، يكون فيها الجميع، بما فيهم العساكر المنتشرين في مناطق السيطرة، في عملية تعليمية مبتكرة بكل الوسائل المتاحة، ويجب أن نثبت للعالم أنه بإمكاننا قلب الأرقام: فبدلاً من أن يكون 97% من أطفالنا بلا تعليم، نعلن بعد عام واحد أن 97% منهم مشمولون بشكل من أشكال التعليم.
هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة المستقبل. إن ترك جيل كامل من أطفال دارفور و كردفان و النيل الازرق دون تعليم ليس مجرد جريمة في حقهم، بل هو تدمير ممنهج لمستقبل السودان ذاته. فكما حذرت الأمم المتحدة، إننا نخاطر بخسارة رأس مالنا البشري وقدرتنا على إعادة بناء الدولة، فإما أن نوقظ الهمم اليوم، وإلا سنظل نقرأ الأرقام ونبكي على جيل ضائع آخر.
و الله المستعان
